افتتاحية الأزمنة

قفزة إلى المجهول

تهدد عوالم الغرب الذي نظر إلى المعلوم وحاول السطو عليه، إلا أنه وجده محصَّناً ذاتياً أولاً، وثانياً اعتبر أن لديه قوى تساعده، وتعمل بجدية فائقة معه من أجل الحفاظ عليه، وتعزيز ثباته واستمراره، نعم نحن نحيا في زمن غير عادي، نواجه فيه تغيّراً حاداً في الأخلاق والطبائع والحياة بشكل عام، كما أننا نشهد الآن توقفاً من أجل إعادة شاملة للبحث عن طرق جديدة في التفكير والعمل، حتى إنَّ كوكبنا الحيَّ يتغير مناخه وحركة دورانه ومركزه الكوني آخذاً بالانحراف، ما زاد من فرص الحروب والفساد، والهلع والخوف، والعداوة الدينية الناشئة عن العداوة السياسية، لم يعد المستقبل آمناً، وأي قفزة باتجاهه تعني الذهاب إلى المجهول، فعالم اليوم ينذر بالخطر، والفوارق الطبقية اتسعت بشكل مذهل، وغدا التشاؤم يسيطر على التفاؤل، القلق يعدو بتسارع مرعب إلى عقول وقلوب البشرية، الكل دخل هذا الأتون، التنبؤ والاستقراء انتهى مع انتهاء النبوات والرسل والأولياء، لأن البؤس الحادث في الحاضر المادي يتطور بدلاً من أن ينحدر إلى الأدنى أمام عدسة الحداثة، حيث ترصد الأفكار الوهمية التي تطرح على شكل مبادرات في مجالات تطوير الطاقة ومكافحة الإرهاب والتخلف والتكاثر والجشع وتحقيق الانتعاشات الاقتصادية، وتغطي في الوقت ذاته النهب المستمر لدول العالم الثالث وأحداث القتل والسلب بأسماء مستعارة؛ الله، الدين، الطائفية، الحاجة إلى استبدال النظم، الربيع، الخريف، الشتاء، الصيف… تداهنات مرعبة تقع بين القوة الاستعراضية والثقافة الرخيصة، وطرح المساعدات والإغاثات والاحتواء والانفلات، حبّ مدفوع الثمن، وكره منتج، يوزع بين هنا وهناك، تقوم بها مكاتب للبحث والتحري الأمني والسياسي، بنيت في أقبية الغرب، تستدرج أبناء العالم الثالث إلى معارضات تهيئ لهم الدعم والداعمين داخل وخارج دولهم، ترمي بالمطالبات بين أفراد المجتمعات، حرية- ديمقراطية- عدالة- حقوق- مساواة بين الرجل والمرأة، وبين الرجل والرجل، توسع دائرة الاتهام والإشارة إلى أشخاص بعينهم؛ ساسةٍ واقتصاديين واجتماعيين، تتهمهم بالتورط بالفساد والتعدي على كل شيء، والغاية الاغتصاب بكل أشكاله، وانتهاك الحريات العامة والخاصة، ومن ثمَّ تجييش الرأي العام بأن هناك اضطهاداً للرأي، وانتقاماً من كل من يعارض، أو يدعم المعارضين، الموالين، الرماديين.
اتهامات بالشوفينية والديكتاتورية والعنصرية، ديمقراطيات مزيفة ما هي إلا ديكتاتوريات مؤنقة، تستعبد البشرية، تحولهم إلى مكنات أفكار مبطنة بالخبث السياسي، تعمل ليل نهار بغاية واحدة، ألا وهي استلاب العالم حقوقه ومصادرة إبداعه الإنساني لمصلحة حفنة خفية لا ترتوي أبداً ضمن عملية خداع عقلي وبصري هائلة.
أين فرسان الأمل أصحاب الفكر والثقافة الواقعيون؟ أين المتنورون والنورانيون وأصحاب التداخل لا التباعد، من يأخذ زمام المبادرة من أيدي أولئك العاجزين في الغرب، في الشرق، في الشمال، في الجنوب، تيارات سياسية، تيارات ثقافية فكرية اجتماعية، تيارات اقتصادية، من الأضعف منهم، من الأقوى، لمصلحة من تعمل البشرية؟ لله، للآخرة، للجنة، للنار، للرأسمالية، لم يعد هناك اشتراكية، ولا مادية جدلية، إنما الاستعداد الدائم يظهر لنا حروب ماء وغذاء وهواء وشمس وقمر وكواكب ونجوم، كيف سننجو مما نحن فيه؟ أليس تحركنا إلى الأمام أكثر يعني أننا نسير إلى المجهول؟ الجميع يعترف بأن الفيسبوك وتويتر وشبكة التواصل العالمية بشكل عام وحدت البشرية، وجعلت كوكبنا الحيّ صغيراً جداً، حتى إنه غدا منزلاً واحداً، يسكن فيه جميعنا، من منا يستطيع نكران ذلك؟ فهذه المخلوقات الإنسانية لها قدرات خارقة على صناعة الصدق والكذب في آن، تبث الإشاعة والعنف والسكون والخصومة والخصوبة في وقت متزامن، تقضي به على الأخلاق والكياسة والأناقة والنبل، وتضلل الحقائق، وأصبح لهذه الوسائل شعب وحكومات ووسائط وأدوات، حيث حولت الفضاء وحجمه الواسع إلى (ماوس) فأرة تشبه العضو الأنثوي، تدغدغه الأصابع محدثاً المتعة من دون أن تدري البشرية ما تفعل، ما إن تمسك به حتى يصبح الإغراء مطواعاً بين يديك.
دعونا نتأمل في هذه الظاهرة الخطِرة التي اتجه إليها الجميع المستعدون من دون سابق إنذار للقفز بما هم فيه وعليه إلى المجهول، لم تعد سياسات العد من الواحد إلى العشرة مثمرةً، ولا حتى سياسات الخطوة خطوة ناجعة، الكل يستعد، ونتاج الحروب المبرمجة التي تمهد للعدوان نفسياً مسبقاً والاعتداء على الكل بالإصرار والترصد، ولم تعد تفيد الاجتماعات، أو التظاهرات، أو حتى المسيرات المؤيدة أو المعارضة، الكل يريد استباحة أو حتى احتلال الكل عالماً ملأته الفوضى، وساده الرعب، والاتهامات الجاهزة، إرهاب مستمر، ودعوات للتقشف وشد الأحزمة، الجياع لم يعد لهم بطون، لذلك نجد أن العالم يجند المقاتلين، والعالم أجمع أصبح يجيد القتال، وعلى استعداد تام للقتل، وأكثر ممن يسيطرون على العالم ونتاج رعبهم الهائل من الانفجار الكلي الذي لا بد أنه حاصل، محاولات لإيجاد تهدئة، واستنكار هنا أو هناك، وتنديدات وضغوط ومطالب بزيادة الضغوط، ترافقها مساعدات إغاثة طعام مع مزيد من الفتك، وهذا كله يساعد على تعزيز نظرية العصا والجزرة في وجه كل من يعارض أفكار السيطرة على العالم، شرعياً كان أم غير شرعي، مغتصب سلطة أو يحاول اغتصابها.
عالمٌ واحدٌ صغيرٌ كبيرٌ، يستعد برمته للقفز إلى المجهول، لماذا؟ لأنه افتقد الفرح، ولاح عليه الغضب من بعضه ومن ذاته، مشهده العام قاتم ومظلم، يستعبد بعضه بوقاحة وفظاظة، والمعركة التي نجده عليها جيوش متقابلة من الجائعين والحاسدين والمنافقين والفاسدين، تستعد بهدوء يملؤه الانفعال الشديد للتقاتل، ولذلك نقول: انتهت الحروب التقليدية، لأنها غدت ضمن الجيش الواحد، وبين أفراده وأفراد مجتمعه، الظلام ضد النور، فهي تخاض كل يوم ضد التكفير والتطرف والتعصب والإيمان والاعتدال، بين اليسار واليمين، بين الأعلى والأسفل، بين الحق والباطل، بين العلم والجهل، السواد الأعظم يريد العيش في جهالته، ويصرُّ عليها، والندرة تستفيد من ذلك، وتقودها لبقائها في ذلك من خلال تعزيز خوفها
من المجهول وزيادة نسبته في فكرها، ومن ثمَّ دعوتها للقفز إليه من دون تردد.
د. نبيل طعمة

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018