7.8 ملايين سوري أول الواصلين إلى خط الفقر المدقع..إلى متى سيتحكم الدولار بمعيشة المواطن؟!

 الأزمنة – مجد سليم عبيسي
العديد من أهل الاقتصاد خرجوا خلال الأسابيع القليلة الماضية بأطروحات ودراسات تناقلتها وسائل الإعلام من شأنها كبح جماح ارتفاع سعر الصرف والتوكؤ على عصا خفض الأسعار. إلا أن الحكومة ببطئها المعهود تركت كل المجال للدولار يتلاعب بأسعار المواد على حساب الليرة بقفزات كبيرة دعت أصحاب المحال إلى إغلاق محالهم في انتظار استقرار سعر الصرف.
الرد كان –كالعادة- من السلطة النقدية "فقط" عبر حملة تهديد بحق المضاربين مع إظهار القوة بخطوة تدخل بعدما استعر الدولار الملعون لتخفضه نحو 60 ليرة ضربة واحدة، ولكن يبقى المفعول آنياً لأن الدولار سيعاود تحليقه مجدداً –كالعادة- وسيرتفع أكثر بسبب بقاء مسببات تواتره قائمة وعدم استئصال أسباب استعاره من جذورها؛ والتي حددها البعض كإجراءات مفترض اتخاذها للمحافظة على قيمة عملتنا كرمز من رموز الاقتصاد الوطني.
 
البدء بتشارك المسؤولية.. والمعالجة وهمية
 
دائماً ما يرمى الحمل بمجمله على مصرف سورية المركزي الذي لا يجب أن يتحمل وحده مسؤولية تدهور سعر الصرف لكون المحافظة على العملة الوطنية تتطلب التنسيق والتعاون بين السياسات الاقتصادية المختلفة خاصة السلطة النقدية والمالية؛ وخصوصاً أن ارتفاع سعر صرف الدولار المفاجئ لا يعد مؤشراً صحيحاً على قيمة حقيقية ناتجة عن العرض والطلب، وإنما نتيجة مضاربات وشائعات وهمية تقودها مجموعة من مخربين يمارسون الإرهاب الاقتصادي بهدف الربح السريع على حساب لقمة عيش المواطن والاقتصاد الوطني، الأمر الذي كان يستدعي منذ البداية وضع الحد لهؤلاء والتعاون الوزاري لحسم هذا الموضوع منذ سنوات مضت، وعدم تركه ليتمدد ويستفحل كما هو اليوم.
هذا الواقع دفع مسؤولي الشأن الاقتصادي لإطلاق تصريحات تبين وهمية سعر الدولار، لكن تصريحاتهم بقيت في إطار التنظير من دون اتخاذ إجراءات تضمن الوصول لقيمة الليرة الحقيقية سوى ضخ " المركزي" كل فترة بعض الدولارات عن طريق المزايدة تصب في جيوب المضاربين!
واقع سعر الصرف الحالي سببه عدم مراقبة السوق وترك كل الحمل على الحل الوحيد المتبع منذ بداية الأزمة وهو ضخ الدولارات كلما استغاثت الوزارة بالمركزي! وسببه أيضاً التحرك تلقائياً خلف الأسعار التي فرضها المضاربون، لذا لا يستغرب أحد وصول سعر الصرف إلى أكثر من 500 ليرة سورية في ظل تكرار وهمية السعر من دون اتخاذ إجراءات تضبط سعر الصرف المؤثر أوتوماتيكياً على الأسعار ودخل المواطن، المواطن الذي بات عاجزاً عن شراء حاجاته الأساسية بسبب هذه السياسات.
 
رفوعات وإسعافات المركزي
 
في فترة الارتفاع غير المنتظم مؤخراً لسعر الصرف بين مصدر في مصرف سورية المركزي أن بعض تجار الأزمة عمدوا إلى نشر أسعار صرف وهمية بغرض تقييم البضائع بسعر أعلى مستغلين فترة الأعياد التي شهدت ذروة إنفاق استهلاكي.
ونقل المصدر عن المركزي قوله نحذر المواطنين من مغبة الانجرار وراء أسعار الصرف الوهمية التي تستمر الصفحات الصفراء برفعها بشكل يومي، خصوصاً أن حركة التداول في سوق القطع حركة بيع فقط من دون شراء.
تصريحات المركزي تأتي بعد عدة رفوعات قام بها الأخير خلال عدة أسابيع بعد أن كان قد استقر الدولار على 375 مدة شهر كامل تقريباً.
بدأ برفع سعر صرف الحوالات 25 ليرة منذ أكثر من أسبوعين؛ وبموجب السعر الجديد تم صرف الحوالات القادمة من الخارج بالدولار بمبلغ 401 ليرة سورية، بينما واصل الدولار ارتفاعه في السوق السوداء بالعاصمة دمشق وسجل 444 ليرة للشراء و447 ليرة للمبيع مع بقائه في حالة عدم استقرار بين ساعة وأخرى..
وبعد أيام ثلاثة رفع مصرف سورية المركزي مجدداً سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية إلى 422.48 ليرة كسعر وسطي للمصارف و422.89  ليرة كسعر وسطي لمؤسسات الصرافة.
وجاء هذا القرار بالتوازي مع ارتقاع غير مسبوق للدولار في السوق السوداء والذي تراوح سعره بين 465 و 470 ليرة.
وبعد أقل من 24 ساعة قرر المصرف المركزي في جلسة تدخل بيع  شركات الصرافة كافة مبالغ القطع الأجنبي المطلوبة من قبلها بسعر 460 ليرة للدولار، على أن يتم إدارة سعر البيع بشكل دوري حسب معطيات السوق.
وكان في هذه الأثناء قد ارتفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء بشكل ملحوظ التي استفادت من قرارات "المركزي" حيث تراوح مبيع الدولار في دمشق بين 475 و 485 ليرة.
 
من 530 إلى 460 في يوم وليلة ؟!
 
بعد الارتفاع التصاعدي وصل سعر الصرف في يوم وليلة إلى 530 ليرة سورية للدولار الواحد!!
ولكن إسعافات المركزي كانت طارئة حيث لم يستمر هذا الواقع أكثر من 24 ساعة حيث ضاعف مصرف سورية المركزي تدخله الإيجابي في سوق القطع الأجنبي بعد عطلة نهاية الأسبوع وعطلة عيد الفصح المجيد.. ليخفض سعر الصرف إلى نحو 460 ليرة سورية.
 المصادر المصرفية أكدت عزم المركزي مواصلة العمل على استقرار سعر الصرف ضمن مستوياته المقبولة، وذلك من خلال رفع كتلة حجم التدخل خلال الأسبوع القادم إلى نحو 150-200  مليون دولار، وأنه لن يسمح للمضاربين بضرب استقرار السوق مجدداً، وأنه لن يترك المجال للمضاربين لنفخ فقاعات سعرية بنشر أسعار وهمية ضمن المستويات التي تحقق لهم أرباحاً وتحقيق تراجع في سعر صرف الليرة السورية.
و أكدت المصادر أن حالة من الترقب في سوق القطع الأجنبي لعملية التدخل التي أعلن عنها المركزي والتي سيتم تنفيذها الأسبوع القادم وبأسعار مجهولة حتى الآن.
 وفي ضوء ذلك أشار المركزي إلى  أن جلسة يوم 6/4/2016  تأتي استمراراً بعقد جلسات التدخل لدراسة تطورات سوق القطع الأجنبي وتقييم نتائج الإجراءات السابقة مع إمكانية رصد شرائح جديدة من القطع الأجنبي بغرض زيادة المعروض من القطع الأجنبي لتغطية احتياجات السوق.
 وأوضح المصرف  أنه مستمر بتمويل طلبات الاستيراد المستوفية للشروط بنسبة تمويل تصل إلى 90 بالمئة وبالتدخل في سوق القطع الأجنبي عبر شركات الصرافة المرخصة لتمويل المستوردات بأسعار صرف تمييزية تبلغ 445 ليرة للدولار وتلبية الأغراض التجارية بسعر صرف يبلغ 450 ليرة للدولار.
 
7.8 ملايين السوريين تحت خط الفقر:
 
ومن هنا يمكن القول بأن المركزي هو اللاعب الأوحد في ساحة سعر الصرف وبالتالي منعكساته على الأسعار التي باتت أكبر من تحمل المواطن.. وهنا السؤال: ما دور وزارات الاقتصاد والتجارة والمالية إذاً كأطراف في الحكومة مسؤولة عن تدارك تداعيات الأزمة بما يخدم مصلحة المواطن للعيش ضمن هوامش سعرية تتوافق مع المرتبات الحكومية التي ارتأت الحكومة أنها توافق مستوى المعيشة اليوم؟!
 
رئيسة بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سورية "مريان غاسر" بينت أن هناك حاجة ملحة لزيادة كميات المساعدات الغذائية وغيرها في ضوء الدراسات الأخيرة التي أكدت أن 7,8 ملايين شخص في سورية وصلوا لمرحلة الفقر المدقع، وأن 9 ملايين شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية، وهذا يتطلب الاستمرار في تقديم السلل الغذائية.
وحسب آخر الدراسات فإن رب الأسرة السوري لم تعد تكفيه 84 ألف ليرة سورية للمتطلبات الأساسية "وفق آخر دراسة من عدة أشهر"، بل أصبح اليوم بحاجة إلى دخل شهري 146 ألف ليرة ليعيش ضمن خط الفقر لأسرة مكونة من خمسة أشخاص تؤمن حاجاتها الأساسية فقط من مأكل وفواتير ومواصلات.
وفي نفس السياق أكد مؤخراً رئيس جمعية حماية المستهلك في دمشق "عدنان دخاخني" أن الوضع المعيشي للمواطن لم يعد يحتمل وأن متوسط الدخل الذي يتقاضاه لم يعد يغطي أكثر من 10% من حاجاته ومتطلباته الأساسية.
مقدراً متوسط الدخل للمواطن بـ50 دولاراً شهرياً في حال كان موفقاً ولديه فرصة عمل، مؤكداً أن أسعار معظم المواد تضاعفت لأكثر من عشرة أضعاف في الأسواق في أحسن أحوالها مع بقاء الدخل على حاله ما أسهم في تآكل الدخل وفقدانه قيمته السابقة.
مبيناً أن الوضع الحالي بات يفوق قدرة معظم المواطنين على مجاراة حالة الغلاء غير المسبوقة وخاصة الغلاء الذي طال المواد الأساسية والمعيشية التي يحتاجها المواطن بشكل يومي.
ورأى دخاخني أن الوضع المعيشي القاسي للمواطن يحتم البحث عن حلول وعلى أعلى المستويات الحكومية، وفي مقدمتها إيجاد آلية لضبط سعر صرف الدولار وتثبيته لأنه بيت الداء حالياً في مسألة الغلاء، إضافة إلى وضع حد من الحكومة للتجار ولكبار (الحيتان) الذين يتلاعبون بالأسعار بحجج ارتفاعات سعر الصرف واحتكار المواد وفرض واقع سعري يناسب جشعهم، وخاصة أن هؤلاء التجار يرفعون أسعارهم بثوان بعد زيادة سعر الصرف، لكن لا أحد منهم يغير أو يخفض أسعار مواده المعروضة بعد أي حالة انخفاض في سعر صرف الدولار.
 
آراء أهل الاقتصاد
ردأ على تفلت أي ضابط لسعر الصرف، فقد طرح العديد من الاقتصاديين أفكاراً تساهم في حماية الليرة السورية من تبعات المضاربة الوهمية، وتساعد على ضبط الأسعار في الأسواق، ومنها:
-          من الإجراءات ممكنة التطبيق لحماية الليرة السورية تشديد الرقابة على المضاربين وشركات الصرافة وإلغاء الاعتماد على مزادات العملة الأجنبية مع فرض رسم تحويل على عمليات شراء القطع الأجنبي لأسباب غير تجارية وعلى عمليات التحويل الخارجي باستثناء حوالات الطبابة والدراسة بغية ترشيد استخدام القطع الأجنبي وفرض قيود على حركة رؤوس الأموال والقطع الأجنبي.
-          إلغاء استقلالية المصرف المركزي مؤقتاً وربط العملة بسلة عملات الدول الصديقة بشكل يخفف حدة تقلبات سعر الصرف بغية تحييده قدر الإمكان عن التضخم.
-          الخطأ الفادح المتبع حالياً يكمن في السماح لشركات الصرافة بلعب دور الوسيط بين المركزي والمستوردين لكون السلعة الوحيدة التي تتعامل بها القطع الأجنبي والليرة، ما يتوقع أن تضارب على الليرة على حساب تمويل حاجات القطر من المستوردات بشكل يوجب إلغاء دورها في تمويل العمليات التجارية البعيدة عن اختصاصها وإسناد هذه المهمة للمصارف العامة أو الخاصة والتنسيق مع وزارة الاقتصاد ومديرية الجمارك العامة.
-          منع التعامل بالعملات غير السورية حتى لو اضطر الأمر مرحلياً لوقف تمويل المنتجات نهائياً أو ربطها بالتصدير أو فرض رسوم جمركية أعلى عبر المراقبة التموينية المستمرة مع ضرورة أن يكون ظهور المسؤولين الإعلامي إيجابياً عند الحديث عن السياسات بغية تخفيف حالة المواطن النفسية مع تطبيق عقوبات صارمة بحق المتلاعبين بالعملة الوطنية وإلغاء أكشاك الصرافة بعد إثبات وظيفتها الأساسية بتهريب العملات الأجنبية بغية إضعاف الاقتصاد الوطني.

تعقيب:
 
رغم التلاعب الواضح والصريح لحيتان السوق، ورغم معرفة أن بيت الداء يكمن في ارتفاعات سعر الصرف، ورغم الملايين التي باتت تحت مستوى خط الفقر، ورغم الأطروحات الاقتصادية الخبيرة والجهد الإعلامي للحد من الوقع المعيشي السيئ المتفاقم. إلا أن الحكومة لم تجد –وبعد خمس سنوات- حلاً لتفاقم الوضع واتساع الشرخ، وجل ما نستقيه منها هي الأعذار والمنحنيات التي أودت بنا إلى هذا المفترق الخطر من دون أي حلول، ومع تهامل للحلول المطروحة وبرودة في معالجة الأمور.. فهل من مصغٍ؟!

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018