الأزمنة

الحرب التي أكلت بعضاً أو كلاً مما أنجزه الاقتصاد الوطني في السنوات السابقة..من خسائر بمئات المليارات إلى بدايات انفراج وبحث عن مطارح للشراكة مع القطاع الخاص

*أحمد سليمان
رغم  شبه  غياب الإحصاءات الحكومية عن خسائر الاقتصاد السوري بشكل عام نتيجة الحرب والأزمة الراهنة التي تضرب البلاد منذ اكثر من خمس سنوات، إلا أن  ثمة جهوداً بذلت من قبل العديد من الجهات ومراكز الدراسات للوقوف على أوضاع الاقتصاد الوطني والذي تراجع أداء قطاعاته الرئيسية إلى حدود كبيرة ما أثر على أداء الاقتصاد الكلي كنتيجة لتعدد أوجه  الأزمة  من حرب غير مباشرة  وتمويل مجموعات واستهداف مواقع الإنتاج ومؤسسات الخدمات وتدميرها وخروجها من الخدمة  إما بشكل كلي أو جزئي إلى جانب العقوبات  الاقتصادية وما أدى ذلك من تراجع في أداء الكثير من المواقع الإنتاجية على مدى  سنوات الأزمة  وبالتالي تراجع قطاع النتاج المحلي الإجمالي وتراكم خسائره منذ بداية الأزمة حتى نهاية العام الماضي.
قطاعات خاسرة
 فالقطاعات الرئيسية التي ساهمت في هذه الخسائر حسب مركز بحوث  السياسات هي  التجارة الداخلية التي فقدت 967 مليار ليرة سورية و 23.2% من إجمالي الخسائر المتراكمة للناتج المحلي الإجمالي، وقطاع الخدمات الحكومية الذي بلغت خسائره 660 مليار ليرة أي ما نسبته 15.9% من إجمالي خسائر الناتج. كما فقد قطاع الصناعات الاستخراجية 630 مليار ليرة تشكل 15.2% من إجمالي الخسارة، أما قطاع النقل والاتصالات فقد خسر 585 مليار ليرة أي ما نسبته 14.1% من الخسارة، وفقد قطاع الزراعة 483 ليرة  مشكلاً 11.6% من الخسارة
 و يشير المركز إلى أن   خسائر القطاع المالي والعقاري  بلغت 236 مليار ليرة أو ما يعادل 5.7% من الخسارة الإجمالية للناتج المحلي الإجمالي معتبرا أن  الهيكلية القطاعية لخسائر الناتج المحلي الإجمالي خلال العام 2015 لم تتغير كثيراً عن النمط المسجل في السنوات السابقة.
237 مليار دولار
 وتتقاطع هذه الدراسة للمركز مع ما ذهب  التقرير السنوي لغرفة تجارة دمشق الذي أشار إلى أن   أرقام خسائر الاقتصاد السوري خلال الأزمة متباينة ولكن كلها تشير إلى أرقام تصل إلى مليارات الدولارات وفي تقرير الأسكوا بلغت عام 2015 /237/ مليار دولار وهو يمثل خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسورية عام 2010 والذي كان حوالي 50 مليار دولار  وبلغ معدل التضخم عام 2015 /200%/ لبعض السلع وأكثر بالنسبة لسلع أخرى وتراجعت الصادرات بنسبة 96% في عام 2015 عن عام 2011 وبنسبة 15% عن عام 2014 وتراجعت المستوردات بنسبة 93% عام 2011.
 لكنه  يعتبر أنه رغم كل العقبات والحصار وحالة الحرب بقيت عجلة الاقتصاد السوري تعمل مع ضعف وتراجع بالأداء مبيناً  أن  هذا أمر طبيعي ضمن الظروف التي تحيط بالاقتصاد ولكن استمرار الاقتصاد السوري بالحركة هو دليل واضح على سلامة النهج, في توصيف علمي لأي اقتصاد يخضع للحرب التي تشن على اقتصادنا كان بالتأكيد الآن قد انهار وتوقف وهذا ما راهن عليه معظم أعداء بلدنا.
عودة  التجارة
       و يذهب التقرير إلى أن  الآمال كانت كبيرة مع بداية عام 2015 مع عودة حركة التجارة (الاستيراد والتصدير ) في عام 2014 للعمل كانت التوقعات أن  يستمر الوضع كذلك في العام  الماضي وهذا كان حقيقياً وفعلاً انتقلت الورش والمعامل إلى الأماكن الآمنة وبدء التحسن يشمل جميع مناحي الاقتصاد. ولكن الذي أدى إلى عدم شعور المواطن السوري العادي بهذا التحسن هو الارتفاع غير المسبوق بسعر صرف الدولار الذي حدث في عام 2015 فقد ارتفع سعر صرفه من 170 مع نهاية عام 2014 ليصل إلى 425 مع بداية عام 2016 أي بارتفاع 150% عن عام 2014 وبارتفاع 750% عن عام 2011 مع بداية الأزمة وهذا الارتفاع يعود لعدة أسباب أهمها على الإطلاق هو مغادرة عدد كبير من العائلات السورية وتحويلهم مدخراتهم إلى دولار والسبب الآخر وهو عامل الثقة بالليرة السورية نتيجة سياسات غير واضحة من المصرف المركزي. لذلك على صعيد الاقتصاد ككل هناك تحسن وإعادة عمل ولكن على مستوى معيشة المواطن هناك تراجع وارتفاع كبير في الأسعار.
     وإذا كان العام 2008 الذي شهد الأزمة المالية التي اجتاحت العالم بقي الاقتصاد السوري بعيداً عن الأزمة ولم يتأثر بها لعدة اعتبارات في وقتها إلا أن آراء جميع الاقتصاديين وأصحاب القرار فسرت ذلك على أن  سورية هي بلد زراعي وبالتالي الإنتاج الزراعي هو الذي حمى الاقتصاد السوري  لكن في العام  الماضي تضرر القطاع الزراعي بشكل كبير نتيجة خروج جميع المناطق التي تعتبر مركز الزراعة في سورية وهي مناطق الجزيرة وإدلب وريف حلب وهذا أدى إلى تراجع كبير في المحاصيل الإستراتيجية التي تدعم الإنتاج المحلي وتدعم الصادرات وهذا بالتالي انعكس سلباً على الاقتصاد الذي تراجع  نتيجة تراجع حصنه الأهم.
النفط المتراجع
   قطاع النفط هو القطاع الذي بقي طيلة فترة الأزمة متوقف عن العمل وعن دعم خزينة الدولة وفي عام 2015 مع فقدان حوامل الطاقة بدأت أسعارها بالارتفاع ونتيجة لذلك الارتفاع ظهرت سوق موازية أسعارها أعلى من الأسعار التي تحددها الحكومة ما انعكس سلباً على التكلفة لدى المصنع وأيضاً ارتفاع في أسعار جميع المواد وجميع مناحي الحياة وهذا أيضاً فاقم من أزمة المواطن وأدى إلى تراجع كبير في مستوى معيشته وكنتيجة لذلك فإن قطاع السياحة توقف وأصبح يعتمد فقط على أبناء البلد ما زاد من الضغط على خزينة الدولة لتأمين القطع الأجنبي.
        
        وحتى تبقى عجلة الاقتصاد تعمل لابد من اتخاذ خطوات مهمة تعتبر إجراءات وقائية للمرحلة القادمة أهمها إخضاع سياسات المصرف المركزي وقراراته للرقابة المباشرة من قبل الحكومة فالسياسات النقدية يجب أن  تترافق مع المعالجات الاقتصادية للمشاكل التي تواجه الاقتصاد  ووقف أنشطة الحكومة غير المنتجة والريعية والتي يمكن تأجيلها والتي لا تتناسب مع الأوضاع التي تمر بها البلاد وتخصيص موازنات القطاعات غير المنتجة، والإيرادات العامة المتوقعة حصراً لتأمين المساعدات الضرورية للقطاعات المنتجة وخاصة الصناعة والزراعة، وسد احتياجات المواطنين من السلع الأساسية و العمل على وضع آلية تسعير جديدة تكون فيها الدولة ومن خلال مؤسساتها تاجر كأحد التجار وترك الأسعار يحددها قانون العرض والطلب.

 لكن ثمة دراسة أخرى تتقاطع مع ما ذهب اليه تقرير الغرفة لكنها تزيد على ذلك بضرورة إخضاع المصرف المركزي لرقابة الحكومة المباشرة، فالسياسات النقدية يجب أن  تتماشى مع المعالجات الاقتصادية للأوضاع الراهنة ووقف استيراد جميع السلع، باستثناء المواد الأساسية لمعيشة المواطن ومستلزمات الإنتاج ومكافحة الهدر الحكومي والبذخ والفساد، بجميع أشكالهم وتجلياتهم معتبرة أن معاناة الاقتصاد السوري ستتفاقم خلال مرور الأزمة بعامها الخامس، ومع غياب الآفاق لحلول سياسية (نهائية أو مؤقتة) تنقذ ما بقي من الدولة السورية ومؤسساتها، وتسمح بعودة النشاط الاقتصادي إلى حالته الطبيعية.. إنها كارثة، تعوّد العالم على مشاهدة فصولها بضمير ميت، ومن دون أن  يفعل شيئاً..


إلى شراكة حقيقية
 وفيما يبدو أن  الرهان على التعاون والتشارك بين القطاعين العام والخاص ولجهة  تنفيذ  مشاريع إعادة الإعمار في كل المجالات  فإن الغرفة وباعتبارها جهة تمثل قطاع الأعمال فإنها تؤكد  على المساعي  كقطاع خاص إلى الشراكة الحقيقية مع القطاع العام شراكة تؤدي إلى نهضة فعلية وإعادة إعمار منهجية وليست فوضوية أي يجب أن  يتم الجلوس والتحدث ووضع تصور كامل عن سورية بعد الأزمة وحتى عام 2025 يجب أن  يحدد الأولويات وإلى أي مدى نريد أن  نصل بمختلف القطاعات – ويقوم القطاع العام والخاص بتقاسم المهام والمسؤوليات مع الرقابة الفعلية من الطرفين على الإنجاز حتى نستطيع الوصول، ولكن الاتهامات المتبادلة لن تصل بنا إلى أي مكان، كما ينتظر عودة رؤوس الأموال السورية مع انتهاء الأزمة وبدأت بوادر هذا الإنجاز في عام 2014 وعلى أمل أن  يكون عام 2016 هو عام الانطلاقة الفعلية لعملية إعادة الإعمار.
 
 


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018