المشهد الأخير

تتحرك مجرياته بتسارع مرئي ولا مرئي في آن، بحكم تدافع الأحداث وتكاثفها بين ظهراني الوطن والمواطنة والمواطنين الحقيقيين والواقعيين المندفعين نحو الخلاص من آلام اجتاحت وجودنا، إلا أننا أثبتنا للعالم أجمع أننا أقوى، حيث منطق الحياة يشير دائماً إلى عطائها، على الرغم من أنها تمنح، هنا وتسلب هناك، تقدم لمن يهواها الحب والأمان، وتضع الحواجز والصعاب على سبل الآخرين، وبين الجذب والانفلات يظهر الصراع الدائم بين الحياة والإنسان، وكأن بها حرباً ضروساً، ينتصر فيها النجاح، بينما تهب فرصه للمنكسرين، علهم يتعلمون من فلسفة استمرارها اللامتناهية الأبعاد، الخالدة أبداً أمام الماديات المصنعة المنتهية والذاهبة إلى فناء مهما طال عمرها، إنها نعمة قدمت للبشرية، من يدرك إضاءات أنوارها، ويدخل إلى جوهرها يعِ تماماً قدرتها على منح الفرج والأمل، ويرَ في حركاتها وسكناتها تلك الهندسة الإلهية الراقية والمبهرة، وإذا شردنا عنها يضيع عطاؤنا الحامل أبداً لتصحيح الخطأ وتقويم الاعوجاج، فهي السبيل للسعادة، ولم نكن يوماً فيها إلا من أجل فهمها الذي يعني كثيراً أنه فهم للمكون الأزلي، لا للاختلاف معه، ولا لكره المتدينين فيها، إنما حرب على المتاجرين بها، أي بأديانها وثقافاتها وأخلاقها، فالحياة ترينا الأنوار، وترشدنا إلى سبل الحقيقة التي تدعو الوقائع للسجود أمامها، لأن الحق حق، والباطل باطل.
المشهد الأخير في هذه المسرحية التي فرضت على أمة عربية إسلامية دفع ببعض أطرافها للانقضاض على بعضه العلمي والعلماني من مخرجين ومديرين، دفعوا بهم بقصد إيقاف التقدم والتطور، وأكثر من ذلك العودة إلى الصفر، أو ما تحته، وكأن بهذا البعض ملحداً وكافراً وزنديقاً، هكذا تم تصويرهم على الرغم من أنه حامل رئيس، سكنته إنسانية عروبية مسلمة مؤمنة، مازالت تنتظر لحين إسدال الستارة عليه، من باب تطور المسار السياسي الذي وضع الجميع على سكة الحلول المنطقية والواقعية، وبفضل الدماء الزكية التي عملت على الوصول إليه، فالدماء الطاهرة تصنع الحلول بعيداً عن فساد وإفساد المفسدين، تجمع الجميع، تلفظ الخونة والمارقين، ترمي بهم بعيداً، وتدعو الوطنيين لصناعة وطن من جديد، فبعد أن أخذت بنا مجرياتها نقول: لماذا هذه الأهوال التي حلت على رقعة جغرافية مقدسة، أنبتت فلسفة الروح، ونشرت من عليها الأديان التي تسأل: لماذا هذا الرعب المسيطر يتحول بين أهليها، يفتك بهم، هل لأنها امتلكت سكينة الروح والعاطفة، فغدت مسكينة ذليلة، يطؤها القاصي والداني؟ أم لأنها أبية عصية، تحمل سيادتها على كواهلها، وفي قلبها وعقلها، تعلّم العالم معنى الحضور التاريخي والتقدم الإنساني، تريهم قوة القلب والروح وهما ينتصران على قوة المادة، ما حال إنسانيتها التي تقلصت حتى كادت تندثر بعد أن كانت عظيمة في حنوها وجلال قدرها، فآمن بها جُلُّ البشرية، لماذا تحول أبناء الأرض أبناء الله إلى فرائس تلتهم بعضها من دون توقف، وكأن جوعهم النهم يتحرك ضمنهم، لينهال عليهم صائدو الغرائز الوالعون بالدماء، طبعاً دماء البشر والحيوان والنبات على حد سواء، هل منطق الحياة مسؤول عن إيجاد منظومتي السادة والعبيد والخدم والحشم واللقم المسروقة من أفواه الجياع الذين يحلمون بمضغها وابتلاعها من أجل استمرارهم، هل الحياة وهمٌ يملؤها بالأحلام السعيدة والخيالات البراقة، أم إنها عيش نقضيه مع الطامحين والبائسين؟ نتفكر ونتابع الحياة التي دائماً تدعونا إليها، تطالبنا بأن نتخلص من شياطيننا المسكونة فينا، ونهزمها في فكرنا وقلوبنا، فإن لم نفعل فستنتقل إلى أجيالنا التي ستهزمنا مهما بلغنا من نجاح، والتخلص منها داخلياً يشكل المعركة الكبرى والوحيدة التي يخوضها الإنسان في حياته، فإذا انتصر تمتع الله بجوهر ما صنع، وإن انكسر أخذتنا إلى نصب الأشراك والضغائن، والإنسانية الجادة لا تعرف ثقافات الهدم والتدمير، ولا تلقي بالاً إلى الصغائر من الأمور، بل تشحذ العزائم، وتشد المتون، كيف بالعالم يذبح الحياة، وأكثر من ذلك ينتحر على مذابحها بدلاً من الاستعداد الدائم لإعمارها، ألا يجب أن تتهيأ الحياة، وتستنهض عشاقها، وتدعوهم للقيام بثورة على كل من يعمل لشيطنتها، وما يُجرى من مذابح أزهقت أرواح ملايين البشر برخص، كان من الأجدى أن تستثمر الحياة، كي تثمر تحرراً نهائياً من سيطرة التعصب الإثني والديني والطائفي، وخاصة ضمن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يجب علينا ألا نبقى تحت رحمة اجترار الذكريات التي ما فتئت تنجب الفرقة والتبعية، نحن نريدها وحدة إنسانية تستوعب أسباب حدوثها من أجل الحياة، فالذكريات ممتلئة بالفظائع والكوارث والانهيارات.
المشهد الأخير يطلق عنان الشيطنة، فنرى انفلات الشياطين على بعضها في حالة استثنائية، الشر يدمر بعضه، الخير يكشف الشر عاجلاً أم آجلاً، يبني مع الخير الحياة والإنسانية، ويستمر المشهد إلى نهايته، كي يظهر الخير من جديد، ويبسط الإله هيمنته الكلية من المحيط، بكونه يحيط بعد كل هذا التمرد والتطاول والاستباحة التي اعتبروها ضعفاً، ففعلت ما فعلت باسمه، وقتلت وفجرت ودمرت تحت مظلته ولكن من دون إرادته.
التجديد يعني التطوير والتحديث، والجديد مضاف إليهما، يتقدم بسرعة وقوة، ما يعني لجميعنا أن المسرحية بكامل فصولها وأهمها مشهدها الأخير، بات قاب قوسين أو أدنى من نهايته، فكيف بنا نستعد للانتقال إلى الأمام، كيف نقدم شعاراتنا الجديدة وهتافاتنا التي ينبغي أن تليق بحضورنا الجديد المتجدد؟ كيف يكون إيماننا بوطننا ووطنيتنا بعد كل هذا الصمود؟
مجلس شعب جديد ينجز دستوراً جديداً، يحمي قائداً عظيماً، عَلم فنال فظفر، بعد أن صبر، حتى إنَّ صبره فاق صبر أيوب، فكان بذلك رئيساً مختاراً منتظراً، يقود أمةً، يعطي كل ذي حق حقه، يوزع الأدوار على مسرحه الكبير الذي يشكل الوطن، يعيد ترتيب الأوراق والأدوار بدقة، يدعو العالم أجمع ليشهد قوة وحقيقة تاريخ شعب ينفض غبار أزماته بعيداً كطائر الفينيق، يحلق في سمائه من جديد.
د.نبيل طعمة

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018