افتتاحية الأزمنة

برسم المسلمين

المسؤولين عن اسم الإسلام ولغته، وخوفاً عليه، نقرع ناقوس الخطر عندما نرى العالم يتابع أشد المشاهد مأساوية، وهي تمرُّ من عصره الحديث، وانقلاب الأبيض إلى الأسود، والتلاعبات بالموت التي غدت تسيطر عليه بدلاً من متابعة الحياة والاهتمام بشؤونها، حيث نجد الإسلام يواجه بعضه والآخر من خلال مهاجمين إسلاميين، ومدافعين إسلاميين، والمستهدفون إسلاميون وغيرهم، والكل يقرأ القرآن، ويتعلق بأحاديث نبوية وسنن الرسول، ويستشهدون بأحاديث الخلفاء الراشدين، وأمراء المؤمنين يستحضرون ما جرى من حادثة الجمل، ومن ثمَّ السقيفة إلى صفين، الكل ينهل من ذاك الماضي، ويستند إليه، رغم سير الجميع في الحاضر، وتبادلهم للثقافات العالمية، أو الاطلاع عليها، وتقدمهم في الملبس والمأكل وتشييد البنيان، وتعاملهم مع وسائط الحياة كافة، وتحدثهم لغات العالم، إلا أنهم وأقصد المسلمين، مازالوا يراوحون بين الوسطي، والسلفي الصالح، والسلفي المتشدد، وابن عبد الوهاب، وما قبله ابن تيمية، ليحار المتطلع إلى الإسلام ومن المسلمين ذاتهم إلى أين يتجه طموح العامة والخاصة، وحتى خاصة الخاصة، فهم ما يجري، وتحليله أصبح أكثر ضرورة، ولماذا يجري ومن أجل ماذا؟ كل هذا الذي يحصل، حيث يدرك الجمع أنه قتل للطموح الإنساني، وإعدام للطيبة البشرية التي تجلت في أسطورة قابيل وهابيل، حيث التنازع على الشهوة، وحب المادة، وتضخم الأنا الفردية، إنها صورة جلية عن الواقع الماضوي المستمر حتى اللحظة، طبعاً المتعلقون بها لا علاقة لهم بالتحضر، أو بالمستقبل المنشود، ومن خلال ما يجري نرى أنه تحول  إلى معضلة عالمية وخيالية تجسدت في البحث عن الإسلام، وماهيته، وأسسه، ومبادئه التي أشيد عليها، وتطبيقاته التي تدعو للخروج من الواقعية والبقاء في الخيال، وأحلامه السهلة والمركبة، والعقد التي لم يستطع المفسر حتى اللحظة حلها، فأخضعها الآخر للتأويل والمماحكة، ومن ثم وضعها في خانة العداوة الكلية للبشرية، والطبائع الحياتية، فاحتاج الأمر للاجتهاد من جديد، بغاية إيضاح حقيقة الدين الإسلامي والدفاع عنه بطرق شرعية وسلمية ومنطقية، بعد أن شهد الكل من داخله ومحيطه سلبية طرق ووسائل الدفاع اللا منطقية التي مازالت تعتمد وتستند إلى الفكر الماضوي بشكل عام، ومن دون استثناء من أي فقيه أو مفسر أو مفتٍ.
هل انتهى تاريخنا العقلي العربي الإسلامي بعد ذاك الحضور الإشراقي الذي ساد بين ابن خلدون وابن رشد، وقبلهما الغزالي، وبعدهما الشيخ محمد عبده ومالك ابن نبي الذين قدموا للعالم لغة احترام البشرية لبعضها، وتقديرهم لقواها الإنسانية التي عليها يقع الإيمان بالتعاون على أساس احترام الحياة الإنسانية، أين الإخلاص العلمي للإسلام بعيداً عن الفقهاء والمفسرين والمتكلمين باسمه، الذين فسدوا فأفسدوا في الدين ومريديه، إننا نحيا أزمة فكرية اخترقت الديانة الإسلامية، ما أدى إلى اقتتال المسلمين باسم الدين؛ أي باسم المذاهب والطوائف، وغدا الكل جاهزاً للاقتتال، ومنه توالدت العناوين التي ولدت الحروب التي أبعدت الطمأنينة، وأوجدت أجواء القلق الدائم والمخاوف، بعد أن هددت الحريات الدينية، وهددت الأنظمة العلمانية بالانقلابات الفوضوية، حيث وحتى اللحظة، لم يجرِ تحديد مفهوم العلمانية من الإسلاميين كافة، حيث يعدونها إلحاداً، ولم يخرجوا حتى اللحظة من لغة تكفير الآخر، إلى لغة قبول الآخر والتعامل معه.
إذاً كيف بنا نحرر الإسلام من مختطفيه، والمتظاهرين من أجله، والمدافعين عنه بطرق التشدد وإرهاب الآخر وعيون الناظرين إليه؟ كيف بنا نكسر التابو الذي حرم الخوض في المسلمات الواقعة بين المحرم والمسموح دافعاً الجميع إلى حالة الانحصار؟ ما حال الأجيال الحالية والقادمة التي تكره الإكراه، ولا إكراه في الدين، حيث لم يعد هناك أسرار، وغدت التباينات في جلها قابلة للنقاش من المعتقدات السياسية إلى الاجتماعية وصولاً إلى الدينية، فطبيعة الحراك الأممي قائمة من التأمل فيما يحدث، لذلك تدعونا القضية الإسلامية للنظر عن كثب في عملية المسار، وإلى أين نسير، بعد أن اصطبغت الحالة الإسلامية بالإرهاب، وأخذت تتحول إلى فيروس عالمي يهابه الجميع، من دون الفصل بين الجيد والسيئ، بين المتشدد والمعتدل، بين الفاعل والمنفعل والمسالم، وإن انتشار الفكر الإرهابي القادم من الشباب المتجدد  الذي يسيطر عليه الخوف من المستقبل والمشاكل الحياتية التي تتكاثر مثل البطالة والأمراض النفسية وثقافة الانتظار الممل، واستثمار هذه العناصر لمصلحة التشدد الديني الذي يصور أن الحلول موجودة في الجنان، أوجد مناخات لنمو أساليب إرهابية، تحقق النزوات والهروب إلى مفاهيم العدالة الفردية التي تأخذ أشكال الثأرية والانتقام والتكفير، حيث لا عدالة، ليبقى التعلق بالنيات، ويستمر المسلمون متعلقين بالآخرة، ففي فكرهم نيات بلا عمل، وكذلك السلوك والتصرفات والتغيير المنشود وتطوير أساليب الدعوة إلى الإسلام السمح، والحفاظ على الأسرة والمجتمع والدولة والأمة، جميعها دعوات تسكن النيات، ولكن بلا عمل، إذاً على القيِّمين مراجعة الموجود بين أيديهم.
برسم الإسلام أتجه للعاملين تحت مظلته ومديري شؤونه بضرورة فتح باب الاجتهاد في التفسير، وتقديم الرؤى الواقعية التي تواكب حركة العصر، وتجاري تطور المجتمعات والأمم، فما كان يناسب تلك الأزمان كان لها، فإذا كنا نؤمن بأن الإسلام ظهر، والقرآن أُنزل، كي يكونا لكل العصور والأزمان، وحفاظاً على الشخصية الإسلامية وعلى الكتاب “الفرقان القرآن” فكل هذا يحتاج منا فهماً نوعياً جديداً، بحكم أنه يحتمل التأويل، وإذا أردنا أن نكون أمام هذا العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة أو مدينة منبسطة، وغدونا نرى بعضننا في كل تفاصيلنا، فإنه علينا أن نوقن أنَّ الجنان ليست للإسلام وحده، وإنما لكل من يعمل صالحاً، وأنَّ الله ليس لنا وحدنا؛ بل للبشرية جمعاء.
إنَّ أهمية الإسلام هي التي تدعونا لدق ناقوس الخطر، فهو ضلع مهم أكمل مثلث القداسة بقوة حضوره، إلا أن الذي جرى في القرن الأخير وبشكل خاص العقد الأخير المعيش منه، دعانا لهذا التحذير، لأنه أصاب جميع مسلمي كوكبنا الحي، وغدت الضرورة حاجة مهمة، نفردها بداية الإصلاح، فما نحتاجه اليوم مرة ثانية ثورة إصلاحية على التفاسير والمفسرين، غايتها إعادة الكرامة لهذا الدين السمح ولمعتنقيه، من أجل اللقاء بالركب العالمي، والتمسك بإنسانية الإنسان.
د.نبيل طعمة

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018