الحلم العربي

وئد حياً بعد أن شاهد وشهد على تقلص حلمه بالوحدة إلى درجة تحت الصفر، والتضامن العربي وصل إلى درجة الصفر، وإني لم أكن يوماً من المشككين بحصول ذلك، رغم أنهم على حق؛ بل كنت متأكداً من أنه سيبقى حلماً لا أكثر ولا أقل، والمحاولات التي جرت في القرن الماضي كان اسمها محاولات، وانتهت، لماذا؟ لأن الأثر يدل على المسير، ومن خلال ذلك، تقلص الحلم العربي؛ بل كل أحلامه إلى حلم بالتضامن الذي لم يصمد لأكثر من أشهر، حدث هذا اثناء حرب تشرين التحريرية 1973، ومن ثمَّ انفرط عقده، حتى التضامن القطري في زمننا الحاضر، لنتفكر في الكيفية التي يتم ضربه من العمق، والذي على جميعنا ضمن أقطارنا أن تتمسك به، ومن ثمَّ الاتجاه لبناء وحدة الدولة وترسيخ وجودهما ضمن الدولة الواحدة بسبب النزاعات الفكرية القادمة من الانتماءات إلى هنا أو هناك، وأيضاً الدينية وانقساماتها الطائفية والمذهبية المسكون في جميعها مجتمعة ومنفردة التشدد واللين، التخلف والتقدم، الكفر والإيمان، وهذا ما قل وندر أن تجده  ضمن المجتمعات التي على عتبة التحضّر، بعيداً عن تلك التي تحضرت، وأبدعت لتدرك بعدها أنَّ أي مشروع وحدوي أو تضامني مهم، لكن التخصص بمجتمعاتها أهم وهو الهم، على الرغم من إيمانها بالاتحادات أو التكتلات الاقتصادية، وأنها في النتيجة مجتمعاتها، أياً كان شكلها أو تكتلاتها سياسية أو اقتصادية، أحلافاً عسكرية أو حتى دفاعاً مشتركاً رغم تباين القوى، كما أنَّ مشروع القومية وعلى الرغم من أهميته، إلا أنه أيضاً بقي حلماً عربياً وسياسياً اجتماعياً، ما كاد أن يقوى وتظهر له دعائم، حتى نسفه من جوهره المشروع الديني بتنوعاته، وهنا أؤكد أن الأزمة العربية سببها الرئيس سياسي وديني في آن، حيث التناقض لم يهدأ مذ بدأت قيامة الدولة العربية الحديثة، وولادة ما أطلق عليه عصر النهضة العربية في بدايات القرن الماضي، وظهور الدعوات للتحرر من نيري الاستعمار العثماني، ومن ثمَّ الأوروبي الذي دخل على أنقاضه، حيث زاد الطين بلةً، فجند له من جند، وهيأ أتباعاً لا ينتهون، يعملون على خدمته وخدمة مشاريعه مدى الحياة، لذلك نجد أنَّ الحياة تاريخياً، علمتنا السيادة التي لا تحضر إلا من المواطنين الشرفاء الذين يمتلكون رؤية بناء الأوطان أولاً، ومن ثمَّ التفكير في المشاريع الأخرى، وفكرة التضامن الوطني التي كتبت عنها ليس بالبعيد عما أخطّه الآن، لأنها تجسد الشعور المتحرك ضمن أبناء الوطن الواحد، ومستعدون في حال نشوء الأزمات للتضحية بالغالي والرخيص من أجل مصلحة الشعب الواحد، والوطن الواحد، ومن ثمَّ الأمة الواحدة؛ فهل وصلنا عبر قرن من الزمان إلى بناء هذه الفكرة بشكل علمي وعملي صحيحين؟ وهل امتلكنا القوى التي تدهش الآخر لحظة أن نقوم بها؟ أم إننا مازلنا نتمسك بازدواجية العقل التي تتقبل الاختلافات، وتعمل على إبرازها، فتضعف طرائق التشغيل المبنية على أسس عملية واضحة ودقيقة، ليظهر التمسك بالماضي أنه التصور النهائي؛ أي العودة إلى الدينية الشمولية التي تناهض مشاريع القومية والعروبة العلمية والعلمانية. 
كيف نشرعن الحلم العربي الكبير والصغير، ونحن نتمسك به كشعار، لا أكثر ولا أقل، ولم نقدر أن نصيغ عقداً اجتماعياً بسيطاً، نضمن به وجودنا استراتيجياً، حيث ما زلنا نخطط لحاضرنا، من دون الإمساك بخيوط المستقبل، والأنكى من ذلك، تعلقنا بالماضي الذي يشكل لنا الأطلال، نتطلع عليها، ونحلم بالعودة إليها، ليغدو المستقبل خلفنا، كيف يحدث هذا هنا؟ ينبغي علينا الاعتراف بأننا مازلنا عاجزين عن اتهام أنفسنا أو تبرئتها مما ينسب إليها من المتابعين لمجرياتها، والنتائج التي تشير إلى اتهامها، فالحقائق واضحة، والواقع يشير إليها، لكن الصمت هو السائد، والصامتين متآمرون بقوة، بصمتهم شخصنتهم الأزمات، فشخصنوا المفاهيم والقيم والمبادئ، إلى أن أوصلوا الحلم العربي إلى الحضيض، وقفوا عليه، عسى أن يرمعهم، لذلك وإن لم تتوافر الظروف لتحويل الحلم العربي إلى شبه واقع، فكيف به يصل إلى الواقع المأزوم بشكل دائم، سيوف قطع الرؤوس جاهزة، مدافع الحروب لم تهدأ، وخصومات الأنظمة ما إن تستقر حتى تستنفر التنافر والاختلاف والمخالفة، فيعلو كعب التناقض، وتستشري الخصومة، وتغيب الموضوعية، وتحل الهزيمة بالجميع.
الحلم العربي يُرحل دائماً إلى الأمام خوفاً من الاصطدام به، وتجنباً من إيمان الشارع به، والاحتجاج على عدم تحقيقه والمحافظة عليه كحلم بعيد والعمل الحثيث من أجل إبقائه حلماً ومطالبة الجماهير الشعبية والشعبوية الشوارع بتفعيل التنمية الذاتية، أو معالجة المشاكل الاجتماعية، وحل الأزمات المتراكمة وتحويل الاقتصادات إلى الإنتاج بدلاً من الاستهلاك، فالتململ أصبح جلياً في عقل العربي الذي امتلأ عقله بالأسئلة، إلى متى سيستمر هذا الواقع؟ إلى أين نسير؟ ألا يكفينا ما نمر به تحت مظلة الانتظار وضرورات الحركة نحو الأمل؟ كيف وصلنا إلى هذه الفوضى العارمة، وإلى هذه الانقسامات، حتى بات العربي يسعى وراء استقطاب حلمه الصغير المسكون في الأمن والأمان، وأخذ ينادي بإعادة النظر في كل شيء؛ تاريخنا.. حاضرنا.. مستقبلنا.. كيف بنا نعزز الرؤية غير الواضحة ونحولها إلى مشاهدة؟ كي نعرف أين نحن، وهل نتآمر على أنفسنا؟ أم إن هناك من يتآمر علينا؟ أسئلة غدت بدهية، ولا نستطيع الإجابة عنها، ألا ينبغي علينا أن نعيد النظر في كل شيء من دون استثناء، أو أن نستأذن بالانصراف من هذا الواقع الذي نطلق عليه عالمنا العربي إلى عوالم أخرى، كيف يكون شكلنا عندها؟
كيف نحقق الحلم؟ كيف نتغلب على الفرقة؟ كيف نصنع المعجزة التي تأخذ بنا إلى تحقيقه؟ كيف قبل كل ذلك نحلُّ مشكلاتنا القطرية؟ أعتقد أنَّ في هذه الأسئلة المفتاح الرئيس لبوابة الدخول إلى الحلم العربي.
د. نبيل طعمة

Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018