نبدأ من جديد

بدنا نحضر كلنا، ونجتمع ونجمع بعضنا، بدنا نشتغل معاً، ونشبك يداً بيد، بدنا نحول الأحلام لواقع، بدنا نرمي الحزن، بدنا نجيب الفرح ونتعلق فيه، ما بدنا إياه يغادرنا أبداً، بدنا نمارس الغزل وأكثر حتى نصل للحب ونبعد الضغينة واللؤم من بيناتنا، ونستقبل بعضنا بالود، بدنا نبني البلد، ونربي الولد، ونحافظ على البيت، ونحمي الأسرة والمجتمع وحدود الحمى، بدنا نلتفت لحياتنا ونستكمل النقص بالعلم والمعرفة والفهم، ونرمي السلاح من بين أيدينا، ونتطلع على الشمس ونشتمّ رائحة التراب لحظة هطل المطر أول مرة وكل مرة، بدنا نشوف القمر ونؤمن بهلاله وبدره، ونتأمل البحر ومده وجزره والجبل وهضابه، بدنا نبعد الأسى والأذى عن الكل، بدنا نروح للأمام اليوم والغد من أجل أن نرى جميعنا ونحنا جايين، وكيف ماشيين من كل محاور دوائرنا إلى مركزنا الوحيد الذي يجمعنا، بدنا أشياء صغيرة تقربنا ولا تبعدنا، ما بدنا أديان ولا سياسة في أحاديثنا، لأنها الوحيدة التي تفرقنا، بدنا نفرح كتير وقليل. الذي يريد أن يشرب كأس يشرب، والذي يريد أن يصلي يصلي، والذي يريد أن يؤمن يؤمن، والذي يريد أن يكفر يكفر، الله موجود للكل؛ للكافر وللمؤمن، للعالم وللجاهل، لآدم وللشيطان، للفلاح والعامل والعالم، بدنا نعشق بدنا نحب، بدنا نرقص بدنا نغني، بدنا نشبك إيدينا على الدبكة، وبدنا ندندن بالأوف والميجنا والعتابا، وبدنا نقول يلا نحب، بدنا نبني نعمر أرض وشعب بدنا نتطور ونجني القمح والقطن ونستمتع بلون الزهر وكل شي يتخيله الشعب، بدنا نبذر بدنا نسعى بدنا ننجح حتى يخفق القلب، بدنا نبعد الفشل وما نستسلم لليأس ولا لسنّه، بدنا نربي أطفال وأشجار بالحب، بدنا نسقي أرض وزرع، بدنا نحمي حدود وعرض، ونروح لكل مكان ونقول بالصوت الحر نحنا منعلم الود والحنين ومنادي على الناس اللي بتحب، تعالوا نضيء دروبنا، ونتخلص من عتمة الليالي التي أخذت بنا إلى التيه البغيض لخمس سنوات، حان الوقت كي نهود إلى بعضنا بعد طول أنين أتعب الأرواح، ورحيل استهلك الأنفاس وتأملات غيبتنا كثيراً بعثرت الجمال وحولته إلى شذرات في الأمس، تعب الشوق وتأوه الحنين وتاهت لغة العيون، وتحشرجت أصواتها المنادية بألا تغيبوا عن مدن الياسمين والقمح والزيتون والزيزفون والتين، تعلقوا بأشعة الشمس، وعودوا تحت عيون القمر، تقدموا وادهنوا الحيطان السوداء بالأبيض، نحن الأقوى من كل المؤامرات وظلم السلاح والسياسة والأديان والشيطان، نحن نريد البقاء لأننا أقوى حتى من الموت ومن قوارب النجاة، نحن من صنع النجاة، لأننا نؤمن بالحياة وأن الحياة دين ودنيا، لندع ما لقيصر لقيصر، ولنبحث فيما لنا. هذه أرضنا سهولها وهضابها، وديانها وجبالها، عشنا معها المأساة والملهاة والكوميديا الإلهية، تداخلنا وبحثنا في كل شيء الحقوق الإنسانية والحرية والتبعية.
ناقشنا قضايا العبيد والأسياد وظروف الحروب والسلام، ووصلنا إلى كثير من الدمار، قدمنا الكثير من الضحايا والشهداء، وعرفنا أن من يصبر ينتصر أخيراً يصنع وطناً ويعيد للسلم الأهلي حضوره، والوطن يريدنا أن نصنع له السلام.
بدنا نبدأ من جديد بإصرار، لأننا شعب يستحق الحياة، وإلا لما كان لنا أن نكون ولذرتنا الرياح كما تذرو الرمال، والذين خرجوا عن الإجماع والإيمان ندموا، بعد أن أدركوا الصدمة التي دمرت الأحلام، وشرذمت الخيال، واستنزفت الوطن والناس، حيث وصل جميعنا حواف الهاوية، والكل غدا متعلقاً بخبر كان، بينما نريد الآن أن نذهب إلى الأمام بغاية أن ننجز الكثير على أسس متينة وأفكار بناءة متطورة، بدنا نفكر باللحمة الوطنية، والذي مررنا فيه ينذكر وما ينعاد، بدنا نشكر الذين ساعدونا ووقفوا معنا، وعززوا صمودنا، وبدنا نزعل كثيراً من أولئك الذين أسهموا في محاولات تدميرنا، لأننا نحن نؤمن بأنه في السياسة لا عداوة مطلقة ولا صداقة مطلقة.
بدنا نحكي لأبنائنا ولأحفادنا عن بلدنا وجمالها وصفاء وطيبة إنسانها، بدنا نخبرهم عنها بأنها بلد البساطة والأناقة والجمال والفقير والدرويش والغني، وأن الجميع هني على ترابها، وأن صبيانها وشبابها توّاقون للحياة والعمل لها. بدنا نبدأ من جديد، أكيد كي لا نعود للماضي، ولأن الإنسان ابن الحياة قادر على إحداث القيامة دائماً لكونه طاقتها البنّاءة.
د. نبيل طعمة


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018