الرمزية والصورة في الشعر العربي

نبوغ أسعد
إن للشعر مقومات عديدة اتصف بها حتى كان على قدر من الأهمية، فهو فن جميل في بنائه وفي تفصيلات أسلوبه التعبيري، الشعر يخاطب الوجدان البشري فيثير كوامنه ويبعث فيه ما يبعث من مقاصد وأفكار فيصنع ما يعتبره الشاعر واجبا اجتماعيا أو إنسانيا أو وطنيا وغير ذلك.
تعددت الأغراض الشعرية منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا فوجدنا في مواضيع الشعر حقائق الشعراء ومظاهر وظواهر الكون التي تنعكس سلبا وإيجابا على الحياة سواء كان في الصور أو في الدلالات أو في الانطباعات التي انعكست خلال إحساس الشاعر ووجدانه.
فالشعر أكثر ما يلائمه التصوير البياني أي التعبير عن الصورة ببيان بليغ تجلى عند العرب القدماء فكانت صورهم البديعة قد أذهلت كثيرا من النقاد والباحثين والكتاب ولولا هذا لما كان عبد القاهر الجرجاني تمكن من إنجاز كتابه أسرار البلاغة ولما تمكن أبو هلال العسكري من البديع والمحسنات اللفظية في كتابه سر الصناعتين.
وثمة أمر لا بد من الحديث عنه في صياغة الشعر هو الرمز الموجود في أغلب القصائد ذات المستوى الرفيع أو في النصوص النثرية التي أصبحت ترتفع إلى مستوى الأدب إلى أن صار مرتبطاً بالوجدان عندما يتمكن الشاعر والأديب من وسائل استخدامه نظراً لأهميته في الدلالة، فعلى سبيل المثال جاء الليل في شعر امرئ القيس بعد مقتل والده كرمز للحالة الوجدانية التي عاناها الشاعر وكلمة ليل هي دلالة معجمية محددة بزمن خارجي موجهة إلى دلالات نفسية متعددة كالحزن الذي يعتلج في داخله والحقد على القاتل وكثير من الخيبة في الوصول إلى الثأر والانتقام، فالرمز وسيلة للإيحاء بالمضمون العاطفي أو الفكري الكامن خلف اللفظ المستعمل، لذا فهو يشير إلى التعبير الشعري وإلى مجازاتنا القديمة في أساسه الفلسفي وفي وظيفته على السواء حيث قال:
وليل كموج البحر أرخى سدوله       عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
أما الرمزية فهي تعبير وجداني ذاتي قريب من الشعر الإبداعي المنبثق منه باختلاف بسيط بأنه رد فعل على العاطفة الإبداعية المسرفة والأنسيابية العفوية معبراً عن مشاعر مبهمة وحالات نفسية غير محددة وأشواق خفية ولهفات مثالية أي عواطف شديدة الخصوصية وومضات سريعة وخلجات عابرة وقد رأى الرمزيون أن معطيات الحواس يمكنها أن تتبادل وبأن الشاعر الرمزي يشبه المؤثرات البصرية بالسمعية واللمسية وغيرها ليس بأنها تتشابه خارجياً بل بأن وقعها على النفس متشابه والرمزية لا تختصر على الشعر فقط بل على النثر وربما على النص القصصي الذي يميل إلى فنية الشعر وهذا هو الإبداع الذي تطور والذي أصبح في عصرنا بكثرة، فعلى سبيل المثال ففي نصوص جبران خليل جبران النثرية التقت تيارات إبداعية وصوفية رمزية التقاء فنياً يجعل فيها ثورة الإبداعيين ومثالية الصوفيين وإيحاء الرمزيين ويشهد نثره بحس موسيقي مستخدما اللفظ الموحي والعبارة الشجية الحالمة، فيأتي المعنى محفوفاً بهالة ضبابية، لذلك فهو يرى مالا يراه الإنسان العادي.
تسللت الرمزية إلى الشعر العربي الحديث وخاصة سورية ومصر والعراق ولبنان، فثمة شعراء عرفوا خصائص الرمزية، فاستخدموها بالتعبير عن إحساس دقيق لتحليل فكرة عميقة وتطعيم الأدب بقيم جمالية جديدة كالرمز والأسطورة، من هؤلاء الشعراء بشر فارس ويوسف غصوب وصلاح لبكي من لبنان ونزار قباني وعمر أبو ريشة من سورية وبدر شاكر السياب من العراق، كما أقبل الشعر الحديث على الرمز الأسطوري فاستخدم بشكل سريع على صناعة القصيدة وعلى أنه رمز كبقية الرموز الذي من شأنه إغناء النص كقول السياب:
وعند بابي يصرخ المخبرون
وعر هو المرقى إلى الجلجلة
والصخر يا سيزيف ما أثقله
لقد شبه الشاعر نفسه بالإغريقي سيزيف الذي يجر صخرة يواظب على رقعها عدة مرات للدلالة على عذابه وغربته.
وإن أهم ما كان متحولاً من الرمز إلى الدلالة هو بيت الشريف الرضي:
وتلفتت عيني فمذ خفيت
عني الطلول تلفت القلب
لذلك لا بد لنا من أن ندرك أن الشعر العربي هو وحده الذي استوعب مكونات الشعر الحقيقية وجمالياته عبر خيال الشاعر الذي قدم إلى التاريخ شعراً لا منازع له في كل أمكنة العالم ولا يمكن لأي شاعر أن يأتي بمثل قول بدر شاكر السياب في وصف العيون:
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018