ثقافــــة

نجاح إبراهيم لـ "الأزمنة": الإبداع يحتاج إلى متلق يجيد قراءة النصّ

الأزمنة|  نبوغ أسعد
نجاح إبراهيم رئيسة اتحاد الكتاب العرب في محافظة الرقة وهي أديبة تتحدى ولا تخاف وهي التي حلقت من دون إذن مسبق وهي التي عكست المجتمع بشفافية عالية برغم ظلمه لها غير أنها تجاوزت بقيمها وثقافتها لتكون في سمو أدبي.. ومع الأزمنة الحوار التالي
 
* ما الدوافع والظروف التي ساعدت على ظهور موهبتك الأدبية مبكراً؟
 
** هو الصمت، خُلقت وهو يسورني، ويسكنني كما الدّهشة الخرساء، ما دفعني إلى تأمل منذ الصغر وعزلة ما فتئت تمدّ لي لسانها. وصمتي هذا يعرف سببه الأقربون، إذ إنه الرغبة في عودة حياتي السابقة لي.
 
كنت أبداَ أظنّ أنني ملكة، وقد قتلت حين اغتصب مني عرشي، فوجدت نفسي في محيط فقير بكلّ شيء، ومن الجدب والوحدة خرجت ثمرة الكمأة من التراب، ولكني لم أستطع أن أتخلص من الحزن الكبير حتى الآن.
 
ومما زاد من قهري أن عائلتي كانت تتأرجح بين شكّ ويقين من تداعيات حالتي، فأنال كلّ وقت بعض من سخرية أو رثاء أو تعاطف آنيٍّ. ما دفعني لأروح في غيبوبة الحلم، أتجاوز بيئتي العادية التي لا تطمح إلا بمرور يومها بسلام، أروح إلى البعيد، ولكنّ الطامة الكبرى حين كنت أعود من الحلم لأعيش كابوساً.
 
ومما جعل الفاصل حاداً وقوياً بين حلم وواقع، تلك الحركات الملوكية من مشية ونظرة وارتقاء وصمت وتفكير.هذا الصمت، وهذا الكابوس المقابل، وهذه الإفاقة المرة على واقع لم أستطع أن أتواطأ معه ما دفعني لأن أبحث عن بديل يخفف قليلاً عذابات طفلة تتجه صوب المراهقة. وجاءت الكتابة التي كانت بمثابة كوة أتنشق منها الهواء وألتمس فرحاً لأهدابي من ضوء قادم منها في كهف وحدتي.
 
الحلم أودى إلى فعل، حمداً لله وليس إلى جنون ومؤاخاة الجن كما كانت عائلتي تظن حين أختم مراهقتي بمواكبة العزلة والتأمل والوحدة. فالعزلة وعشق الوحدة أنبتا كتابات وقراءات، فجاءت الكتابة نتاج جهد فردي، وحصيلة حتمية لكل ما اعتمل في داخلي وما بان، حاولت بها أن أواجه العالم الفقير من حولي، ومن ثمّ أندفع من خلالها على عالم أرحب وأرحب حتى زج بي في سجن الزواج وما شابه.
 
إلى اللحظة أظن أن هذا العقاب جاءني ليصقل ما بي من موهبة تنامت مع تنامي العلم الذي مازلت أتلقاه وأنا أتجاوز الأربعين من العمر، فالجدب الذي أحاط بي دفعني لأن أبحث عن ربيع دائم الحضور، والغيمة الفقيرة بغيثها حولتها إلى غيوم مزهوة بالهطل، وبراري صمتي العارية حملتها ألف كساء.
 
* تأثرك بالأديب السوري عبد السلام العجيلي، هل كان على المستوى الأدبي أم الإنساني، أم بالاثنين معاً؟ وإلى أي درجة يحتاج الكاتب إلى شخصية أدبية يعتبرها كمثال في مسيرته؟
 
** في المرحلة الإعدادية قرأت رواية "باسمة بين الدموع" للأديب عبد السلام العجيلي، تمنيت بعد أن أنهيتها أن ألتقيه، ولم أكن أعرف أنه يبعد عني خمسين كيلو متراً فقط، وان الفرات الذي يمرّ من مدينتي الصغيرة الناشئة يمرّ من أمام بيته؟! وتمنيت ذات اللحظة أن أكون روائية، فعمله الروائي هذا أثر فيَّ، وكيف لا وقد كانت الرواية تفعل فعلها في الذات المراهقة. وقد تحقق لي ما أردت حين رحت أكتب وكان يقرأ لي، لقد جمعتنا الأقدار ذات زمن فاستعذبت مكانته وحيويته وتجاربه وحكاياه كان حكواتياً بارعاً حتى صارت رائحة حضوره في قصصي القصيرة وفي غير واحدة. لكن لم أتأثر قط بأسلوبه أو كتاباته فأنا أكتب بطريقة مختلفة إذ أجنح نحو الخيال والشعرية، وأستخدم الرمز والتكثيف والصوفية بينما كان هو شديد الوضوح في سرده. لكن حفره كان عميقاً في داخلي على الصعيد الإنساني إذ اعترف بعد زمن صداقتنا أنه لم يثق بأحد ليحكي له عن ماضيه، وعن تجاربه الخاصة كما وثق بي، فخصني بأشياء ما كانت لترى النور إلا حين صارت بين يدي. كانت كلها في خزانة حديدية تأكلها العتمة والسرية وربما الخشية من سقوط غبار على مرآة الوقار.
 
بالنسبة للشطر الآخر من سؤالك إلى أي درجة يحتاج الكاتب إلى شخصية أدبية يعتبرها مثالاً: ليس من الضروري وجودها، فالمبدع لا يحتاج إلى ذلك من أجل إبداعه واستمراريته، أو ليكون زيتاً في قنديله ليمضي مبصراً، وإنما يحتاج أكثر إلى متلق يجيد قراءة نصه. أتمنى لو كنت في زمن جبران خليل جبران، أو كنت التقيت بنزار قباني، أو طويت المسافات بيني وبين إدوارد الخراط أو كنت في دائرة جبرا إبراهيم جبرا!
 
 
 
* لماذا كتبت في النقد وأنت الأديبة صاحبة الباع الطويل في القصة والرواية؟
 
** ذات قراءة نقدية لناقد سوري وجدتها تتكرر كل حين أمام قراءاتي، فوجدته قد وسم بناقد وهو لا يجيد النقد، فيدفع بالحركة النقدية إلى الأمام، وكذلك آخرون غيره سواء في سورية أو في بلد آخر. وذات قراءة لنصوص احتملت عندي ألف تفسير، وجدتني أكتب رأياً أو انطباعاً فلاقى اهتماماً ممن قرأه، خاصة عند النخبة المثقفة لهذا تجرأت لأن أمدّ بساطي وأطير به لألحق روحاً كبيرة هي روح النص بعدما أفلتها خالقها. وأظنني اكتسبت تذوقاً جيداً لما أقرأ ومن ثم تحليلاً وتفسيراً وتقييماً مما جعلني أمد يدي بارتجاف بادئ ذي بدء وأقطف زهرة من بستان النقد وكان كتابي "سادنات السرد" أنقد الكاتبة العربية أتناول روايات وقصصا لها. أنا لا أحب النقد الأكاديمي المقولب بأدواته الجامدة. لاشك أن النقد له مدارسه وأدواته التقليدية ومبادئه لكن لم يطور على مرّ العقود كما ارتأى رولان بارت الذي أضاف ما لم يضف أي ناقد آخر من ذلك الحين وأنا أعني نقادنا العرب هم أجمد من الجمود ذاته.
 
هل تدري أنني أفكر جداً بالنقد وكأنه صار هاجسي؟! وأنني أرغب أن أدق أعمدة خيمتي في ترحالاتي الأخيرة في أرضه وذلك كي أعطي كلّ ذي حق حقه ما أوتيت من مقدرة ولأنتقم بشكل أو بآخر من ضعف وشللية النقد في وطننا. لأن النقد برأي قبل كل هذا وذاك معرفة أو ابتكار، أو معرفة جديدة كما قال أدونيس ولهذا تشدني رغبة لأن أكرس معرفة ما إلى معرفة أرحب وأنضج قوامها التساؤل المستمر، وإعادة خلق وفيوض.
*أنت الأديبة الحائزة على جوائز أدبية عديدة، هل ترين في ذلك تكريماً لإبداع الكاتب أم مسؤولية إضافية يتحملها؟
 
** كلاهما معاً.. عن الجائزة أولاً وأخيراً تأتي بعد اكتمال النص، وهذا لن يغير من قيمته، ولكن إن تناقلت وسائل الإعلام أن هذا النص فاز بجائزة لتهافت القراء عليه، وأمده النقاد بالاهتمام وتسليط حزم الضوء عليه. والجوائز هي تكريم للمبدع على نص مختلف، ورفع القبعة لكاتبه وتثميناً لجهوده. وهذا الاهتمام لاشك يضع المبدع الذي يحاذر لأن يكون في مستوى لائق لقارئ توسم فيه إبداعاً أمام مسؤولية اقتلاع العتمة المتبقية وليساهم في نشر الضياءات أمام الحق والخير والجمال.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018