الثالوث (المدارس- المكدوس – الشتاء) يهلك الأسر الحورانية بأعباء المعيشة..المكدوسة الواحدة أكثر من 125 ليرة سورية..والطالب المدرسي يكلف 15 ألف ليرة سورية

محمد العمر
 إذاً هو الثالوث المعقد الذي يعود من جديد هذا العام على الأسر الحورانية حاملا ً الغلاء الفاحش الفاحش أكثر من ذي قبل، غصة المدارس وشراء المستلزمات المدرسية من جهة، وعقدة المكدوس والمونة الغذايئة وتوابعها من جهة، ومعاناة البحث عن بديل للمازوت يقي من برد الشتاء القارس من جهة أخرى، هذا كله في كفة ويأتي العيد الأضحى ولوازمه ومصروفه متزامناً مع الثالوث المهلك والشاق، في كفة أخرى، هي إذاً المعاناة بكامل فصولها وطقوسها الموجعة والمرهقة مادياً على معيشة المواطن.
ففي جولة على محال الباعة في مدينة درعا وريفها، لوحظ التفاوت في الأسعار بين سوق وآخر لنفس السلع وبفارق لافت أحياناً، حتى إن التسعيرة تتبدّل مرتفعة ما بين يوم وآخر وأحياناً في اليوم نفسه ليس ذلك فحسب، بل أصبح المواطن لا يثق باستقرار الأسعار ليومين متتاليين في كل الأسواق، بعد أن وصلت الأسواق لمرحلة اللاعودة إلى الأسعار السابقة، وصارت الرحمة من المواطن مقبولة تجوز على الطيب والميت (سابقة وحالية)من أسعار كانت وكيف أصبحت..!
مازن الزعبي قال: إن أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية ارتفعت وترتفع في أسواقنا بشكل يومي لم يسبق له مثيل.. وبات الجميع يطلق على ما يحصل بالفلتان في الأسعار والفوضى في الأسواق، المترافقة مع غياب تام وفاعلية شبه معدومة لأجهزة الرقابة التموينية.‏ وحسب قول غيره من المواطنين فإن انتعاش الأسواق هو افتراضي وليس حقيقياً، ولم ترتفع مناسيب السيولة في السوق بل ارتفعت الوعود والآمال بضبط وتنظيم وتيرة التبادل والتداول في مراكز التجميع والتوزيع، ومن الواضح جداً غياب الرقابة التموينية عن تاجر الجملة؛ وهو المشتري الأول من المنتج..
 
المكدوسة بـ125 ليرة
أما مونة الشتاء في درعا وخاصة "المكدوس" والتي تعد الأكلة الشهية والدافئة بالشتاء، فهي تشغل بالي الأسر والعائلات الكبيرة بالمحافظة بعدما ارتفعت أسعار تكلفتها إلى أرقام لا يمكن تصورها، خاصة أن المدارس فتحت أبوابها وهنا ما يقصم الظهر حسب قول العديد من أرباب الأسر، فالمونة المنزلية عادة استهلاكية قد تختلف من حيث النوعية نسبياً بين منطقة وأخرى، وأحياناً تختلف بين منزل وآخر ضمن القرية الواحدة حسب الإمكانات المالية للمواطنين وحسب توافر المنتجات والمواد الغذائية في كل أيام السنة وفي مقدمتها المكدوس إذ تعد مادة الباذنجان المحشو بالجوز والفليفلة الحادة والمخزنة بأوان زجاجية أو بلاستيكية بغمسها بالزيت (المكدوس) من أهم عناصر المؤونة المنزلية التي يحرص كل الناس على وجودها على موائد طعامهم في وجبتي الفطور والعشاء، وكان (المكدوس) حتى فترة قريبة من أرخص مكونات المؤونة المنزلية، لكن ارتفاع أسعار مكوناته هذا العام قد يحرم معظم البيوت الفقيرة من أهم مكونات مائدة الطعام في فصل الشتاء، لأن الفقراء لا يمكنهم تموين المكدوس في ظل ارتفاع الأسعار خاصة أننا اليوم في عز موسم تموين المكدوس، فالباذنجان الذي نعيش الآن فترة جنيه لا تزال أسعاره مرتفعة إذ يباع الكيلو غرام منه بالجملة بخمس وثمانين ليرة سورية وسعر ليتر الزيت العادي يصل إلى 650– 750 ليرة سورية، وسعر الكيلو غرام من الجوز البلدي يتراوح بين 4000 – 5000 ليرة سورية، ويباع الكيلو غرام من الفليفلة الحمراء الحادة بنحو 250 ليرة سورية، وبذلك يتبين لنا مدى ارتفاع تكلفة تموين المكدوس. وبهذه تصبح المكدوسة الواحدة حسب قول أكثر من عائلة حورانية تكلف أكثر من 125 ليرة سورية، والحال ينطبق على الزيتون إذ يشكل أهم عناصر المؤونة المنزلية في بيوت محافظة درعا، ولا يكاد منزل يخلو من الزيتون المخلل الذي يشكل مادة أساسية في كل موائد الإفطار والعشاء، ورغبة الأسر في وجوده سوف يؤدي إلى ارتفاع أسعار زيتون المائدة الذي يبدأ تخزينه بعد حوالي شهر ونصف الشهر.
كذلك الأمر ينطبق على مادة اللبنة المغمورة بالزيت والتي يتم الاحتفاظ بها في أوان زجاجية والتي تعد أحد أصناف المؤونة المنزلية، فهي بدت هذا العام بالغياب عن معظم المنازل التي كانت تمونها لاستهلاكها في فصل الشتاء بسبب ارتفاع سعر الكيلو غرام الواحد من الحليب إلى 200 – 350 ليرة ليرتفع سعر كيلو غرام اللبن إلى 300 – 400 ليرات سورية, وإذا علمنا أن الكيلو غرام الواحد من اللبنة يحتاج إلى 5-6 كيلو غرامات من اللبن العادي فإن ذلك يعني دفع نحو1300– 1500 ليرة سورية.
 
المدارس..أسعار فلكية
لاشيء يمكن تصوره بعد أن باتت الألبسة المدرسية مرهقة للمواطن سعرياً فالأسعار زادت أكثر من 50 % من العام الماضي، والكثير راح يبتكر أشياء كثيرة ليستبدل المستلزمات بأمور أخرى أو دمج أشياء بأشياء، ومنهم من بقي على نفس اللباس القديم بحجة عدم القدرة على شراء ألبسة جديدة، من خلال جولة بالأسواق، بلغ الارتفاع أعظمه في الحقائب المدرسية، ليتراوح بين 150% و200%، أما أسعار الملابس المدرسية والأحذية فارتفعت بنسب زادت على 300%.
عطاف الجاموس" موظفة" أشارت إلى أسعار جهنمية لم يسبق لها مثيل ولا بأي عام سبق منذ عقود، تقول إنها منذ أيام توجهت إلى سوق القرطاسية لشراء بعض المستلزمات المدرسية لأطفالها، إلا أنها فوجئت بالأسعار، وفضلت التريث على أمل أن تنخفض الأسعار قليلاً، لكن الرياح سارت بما لا تشتهي السفن حيث ارتفعت الأسعار أكثر من السابق وبشكل كبير فقد وصل سعر قلم الرصاص إلى 50 ليرة وقلم الحبر الناشف إلى 50 ليرة وهو الذي كان يباع بين20 -25 ليرة والدفتر العادي إلى 200 ليرة سورية ودفتر السلك الصغير إلى 150 والكبير إلى 300 ليرة سورية، أما عن الحقائب فحدث ولا حرج، تبدأ 1000 ليرة وتنتهي بـ 2000 ليرة حسب جودتها.
مروان الحشيش قال: إنه لم يستطيع شراء كل ما يلزم لأولاده الثلاثة وبالتالي ستكون الأفضلية لمن لا يستطيع ارتداء اللباس المدرسي القديم الذي سيحول للأخ الأصغر منه أو حمل حقيبته، وسيحاول شراء الدفاتر بالتقسيط حتى يفرج الحال، مشيراً إلى أن تكلفة شراء مستلزمات الولد الواحد من لباس وحقيبة تصل إلى حوالي 15 ألف ليرة، فسعر البدلة المدرسية متوسطة الجودة يتراوح بين 3500 إلى 4500 ليرة والقميص بـ1100 ل.س، في حين يتراوح سعر البدلة المدرسية الجيدة بين 5500-6500 ليرة سورية..
مسوغات البيع..!
المفارقة أن الباعة والتجار حين وجدوا الكثير يتهمهم بالثراء الفاحش والجشع راحوا يبررون الحجج والمسوغات التي تدعم طمعهم وجشعهم وفي مقدمتها ارتفاع أسعار المواد الأولية لبعض المستلزمات المدرسية بالإضافة إلى جودة البضاعة التي يطرحها القطاع الخاص..
حسان رب أسرة قال: إنه بغض النظر عن مدى صحة المبررات التي يسوقها التجار لتفسير غلاء المستلزمات في محالهم فإن الأسباب الرئيسية للارتفاع هو جشع بعض الباعة الذين لا يهمهم سوى الربح الفاحش واصطياد بعض الزبائن الذين يجهلون نوعية الحاجيات المدرسية وأسعارها في ظل ضعف الرقابة التي تكتفي بالتدقيق على الجودة وسحب العينات وتحليلها، ويجرى هذا الأمر في بداية العام فقط متناسين أن عمليات شراء اللوازم المدرسية ستبقى مستمرة حتى نهاية العام الدراسي..
غياب للرقابة
ثائر قرموش تاجر حقائب مدرسية (جملة ومفرق) تحدث عن فوضى سعرية بالسوق تطول الكلفة في القماش، فالمواد حسب قوله ارتفعت وليس باليد حيلة، مشيراً إلى أن القماش المستخدم في صناعة الحقائب هو مستورد، وبالتالي فإن من يتحكم بالسوق هو المستورد الذي يفرض أسعاراً عالية لثمن الثوب الذي تصنع منه الحقائب المدرسية والتي كانت كلفته قبل عامين 6 آلاف ليرة سورية أصبحت تكلفته 24 ألف ليرة علماً بأن الثوب الواحد يصنع حوالي 45 حقيبة مدرسية وبنسبة ربح 100%، لكن الطمع أعمى عدداً كبيراً من التجار ورفعوا أسعار الحقائب إلى أربعة أضعاف وخاصة خلال الفترة الحالية وارتفاع سعر الصرف للدولار في ظل غياب شبه تام للرقابة التموينية التي اضمحل دورها وتلاشى في ظل الأزمة، محملاً قرموش التجار الجشعين مسؤولية ارتفاع الأسعار غير المنطقي، ولفت إلى أن موسم شراء المستلزمات المدرسية بدأ هذا العام مبكراً قياساً إلى السنوات الماضية بسبب تخوف الناس من ارتفاع أسعارها فهناك عدد كبير من الأهالي اشتروا لأولادهم مستلزمات المدرسة قبل شهرين.
 
الشتاء الأقسى فلكياً.!
حتى إن فصل الشتاء وهو الهالك جداً، فيتم التحضير له من الآن من قبل المواطن، في ظل توزيع لمادة المازوت على الأسر والعائلات من المحافظة، وهو ما لا يمكن تأجيله، لأنها فرصة ستبعث على الندم أن بقي الشراء إلى الأشهر المقبلة، وعلى ما يبدو أن فصل الشتاء هذا العام، يعتبر الأقسى والأصعب سيكون كما يتم التنبؤ به فلكياً، وهو ما يرهق المواطن فكرياً بأن يحصل على المازوت قبل فوان الأوان، خاصة بعد لجوء الكثير من الأسر والعائلات العام الماضي ولا سيما الميسورة منها للتدفئة على الحطب بعد تعذر الحصول على مادة المازوت، حتى لوحظ تراجع الكثير من المواطنين عن شراء مدافئ المازوت بسبب عدم القدرة على تعبئة الوقود،حتى إن شريحة كبيرة لجأت إلى الطاقة الكهربائية باعتبارها وسيلة من وسائل التدفئة خاصة في المناطق العشوائية التي تستجر التيار الكهربائي بطريقة غير مشروعة، الأمر الذي ساهم في زيادة الفاقد الكهربائي في معظم المناطق، وبالتالي حصول المشهد التراجيدي المتكرر يومياً من غياب التيار الكهربائي نتيجة الضغط على الشبكة الكهربائية.
 
قلق مبرر..!
محمد القاسمي خبير اقتصادي كان له نظرته، لم يخف تذمره من وصول الأسواق إلى حالة القلق على مستوى المعيشة، قائلاً: ما يحدث بالأسواق شيء فوق الوصف مع انعدام الرقابة وحماية المستهلك، مضيفاً: إنه من حق المواطن السخط على الأسواق وما يحدث من بركان هائج لأسعار السلع والمنتجات الغذائية وغير الغذائية، فأي سلعة باتت حسب السوق والتاجر مرتبطة بالدولار لكن هذا ليس له معنى،حتى إن مادة المكدوس وهي طعام شعبي رئيسي في الشتاء لدى الأغلبية بالمحافظة ارتفع سعره مع الدولار وبات الجوز لوحده بأكثر من 4000 ليرة سورية، وحسب قوله أي قيمة للعملة هي مرتبطة بالإنتاج وعجلة الاقتصاد، وليس فقط بالتداول والعرض.. وعن الدور أو المهام التي اتخذت لضبط الأسواق، وردع التاجر قال: إن الحكومة قامت بتعديل قانون التجارة الداخلية وحماية المستهلك وبعض أحكام قانون التموين والتسعير رقم 123 لعام 1960 وتعديلاته وإلغاء القرارات والتعليمات المخالفة، أي بمعنى معاقبة التاجر المخالف للسوق بعقوبة رادعة، اختلفت عن السابق، وهذا الإجراء أن طبّق فعلاً فهو حماية المستهلك وضبط أسعار السلع والمنتجات ووضع الأسس اللازمة لمنع احتكار المواد الأساسية والحد من التأثير السلبي على الواقع المعيشي للمواطنين في ظل الظروف الراهنة التي تتعرض فيها سورية لعقوبات اقتصادية جائرة، دالاً أن السوق الفترة المقبلة سيكون مراقباً أكثر من السابق بعد إضافة مراقبين تموينيين جدد على السوق.


Copyright © alazmenah.com - All rights reserved 2018