مشاركة خليجية وإسرائيلية وتمرّد صينيّ وتركيّ: العدوان الأميركي على إيران يتوسّع

مشاركة خليجية وإسرائيلية وتمرّد صينيّ وتركيّ: العدوان الأميركي على إيران يتوسّع

أخبار عربية ودولية

الثلاثاء، ٢٣ أبريل ٢٠١٩

دخلت الحملة الأميركية على إيران طوراً أكثر خطورة، مع وضع كل العالم تحت نير العقوبات إذا تعامل مع طهران نفطياً. حصار مطبق أعلنته إدارة دونالد ترامب، ينتظر ردَّ فعل إيرانياً لم يخرج أمس بانتظار مشاورات داخلية وخارجية، لتنتقل واشنطن مع إلغاء إعفاءاتها على العقوبات إلى ملاحقة وسائل الالتفاف عليها. القرار التصعيدي يحظى هذه المرة بمشاركة عربية، سعودية وإماراتية، مباشرة وترحيب إسرائيلي عارم، مقابل تأكيد أنقرة وبكين رفضه.
بعد قرابة عام على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، في أيار/ مايو الماضي، ها هي إدارة الرئيس دونالد ترامب تقترب من تنفيذ تهديداتها التي تراجعت عنها، غداة إعادة العقوبات في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. «تصفير النفط»، هدف وضعته واشنطن لسياسة «العقوبات القصوى» قبل أن تصطدم بالواقع، فتمنح ثماني دول في العالم إعفاءات من العقوبات على استيراد النفط من طهران. لكن الإعفاءات وقتها أتت تماشياً مع واقع الأسواق، وتجنّباً لارتفاع الأسعار أو نقص الإمدادات، ولمنح بعض الدول مهلة للعثور على بدائل، والبحث طوال المدة الماضية عن هذه البدائل، فيما ظل المسؤولون من حول ترامب يؤكدون أن حظراً شاملاً في طريقه إلى النفط الإيراني. أمس، قالت الإدارة الأميركية إن وضع الأسواق صار أنسب لتغليظ العقوبات ضد إيران، إلى حدّ عدم تمديد هذه الإعفاءات مطلع أيار/ مايو المقبل، خلافاً لرغبة المشترين، لا سيما في آسيا. لا يعني القرار بالنسبة إلى إيران، كما دول في العالم على رأسها الصين، أن هدف «تصفير» الصادرات النفطية الأميركي سيتحقق بالفعل من الشهر المقبل. إلا أن القرار ينذر بدخول المواجهة الأميركية ــ الإيرانية طوراً أعلى من الحماوة. هكذا يزداد الرهان الأميركي على «تركيع» النظام في طهران وجرّه إلى القبول، عبر مفاوضات جديدة، بتنازلات تتعلّق بدوره الإقليمي والملفين النووي والصاروخي، بينما لا تبدو كيفية تصرّف إيران قبالة تشديد عملية التطويق والحصار، أنها ستجنح نحو تقديم التنازلات، بل على العكس، لطالما ردّد المسؤولون الإيرانيون أنهم في حال منع نفطهم من التصدير، سيتخذون إجراءات هجومية أخطرها إغلاق مضيق هرمز، وهو ما عاد ولوّح به قائد البحرية التابعة للحرس الثوري الجنرال علي رضا تنكسيري، أمس. طهران التي تخبر الحصار والالتفاف عليه وتثق بعدم نجاح الأميركيين في «تصفير» تصدير النفط، وتربط ذلك بورقة هرمز، تملك أوراقاً أخرى، وهي تشهد الآن نقاشاً داخلياً حامياً بشأن ورقة الانسحاب من الاتفاق النووي، والتنصّل من قيوده، صعّدت منه القرارات الأميركية أمس.
وكان البيت الأبيض أكد، في بيان أمس، التسريبات الصحافية بشأن التوجه الجديد للإدارة بشأن الإعفاءات من العقوبات، معلناً إلغاء جميع الاستثناءات الممنوحة للدول الثماني: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا واليونان. أعقب إعلان البيت الأبيض مؤتمر صحافي لوزير الخارجية مايك بومبيو، شرح فيه الخطوة التصعيدية، وقال «سنصل إلى الصفر، سنصل إلى الصفر مع الجميع... لن تكون هناك إعفاءات تمتد بعد تلك الفترة (1 أيار/ مايو). انتهى النقاش». وفي تهديد صريح، توجّه بومبيو إلى دول العالم بالقول: «في حال لم تتقيّدوا فستكون هناك عقوبات». وهدّد طهران بالقول: «أوضحنا للقادة الإيرانيين أنه في حال تم الاعتداء علينا فسنجيب بطريقة صارمة، سنرد على ما يقوم به (قائد قوة القدس في الحرس الثوري) قاسم سليماني أو أي ميليشيا حول العالم»، مضيفاً: «نحن اليوم لدينا شراكة مع دول الخليج وإسرائيل ودول أخرى تعمل على هذا الهدف».
وتوقّع أن العقوبات حرمت طهران، حتى الآن، 10 مليارات دولار، مشدداً على أن توسعها يهدف إلى توقيف تصدير النفط بشكل كامل، وهو ما يمثّل 40 % من دخل رابع منتج للنفط في العالم، وفق تقدير بومبيو. وقد تولى الوزير الأميركي تأكيد ما جاء في بيان البيت الأبيض بشأن التعاون مع السعودية والإمارات و«مع أصدقائنا وحلفائنا» على تعويض الأسواق بما تحتاج إليه من إمدادات نفطية، كاشفاً عن وجود «التزام» من قبل الرياض تجاه واشنطن في هذا الشأن. وهو التزام أكده سريعاً وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، في بيان، أمس، جاء فيه «خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ستقوم المملكة بالتشاور الوثيق مع الدول الأخرى المنتجة للنفط، والدول الرئيسة المستهلكة للنفط، بهدف استمرار توازن الأسواق واستقرارها». ورغم صعود أسعار النفط، أمس، إلى ذروتها في عام 2019، وعد ترامب بأن تعمل السعودية مع دول أخرى من منظمة «أوبك» على «القيام بما هو أكثر من تعويض» النقص في معروض النفط. كذلك، تأتي التصريحات الأميركية حول الزج بالسعودية في المعركة النفطية، مع تشكيك المحللين، كما نقلت وكالة «رويترز»، في نجاح العقوبات هذه في الحفاظ على استقرار الأسواق برغم زيادة السعودية إنتاجها، خصوصاً أن الضغوط على إيران تتزامن وتراجع التصدير من فنزويلا وليبيا.
إيرانياً، أكد مصدر في وزارة النفط استعداد بلاده لقرار إنهاء الإعفاءات، وأن الولايات المتحدة لن تنجح في وقف الصادرات النفطية. أما وزارة الخارجية، فقد أعلنت التريث في رد الفعل الرسمي، كاشفة عن جملة اتصالات ومشاورات مع الأجهزة المعنية، في الداخل، وفي الخارج مع شركات أجنبية «سواء الأوروبية أم الدولية أم من دول الجوار». دولياً، عبّرت الصين عن معارضتها للقرار الأميركي وتمسّكها بالتعاون مع إيران الذي «يتّسق مع القانون». ونقلت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية أن الحكومة الكورية تجري مفاوضات مع واشنطن على كل المستويات لتمديد الإعفاء، وستواصل كل الجهود الممكنة حتى الموعد النهائي في أول أيار/ مايو. وفيما امتنعت الحكومة الهندية عن التعليق رسمياً على القرار، بدأت الشركات بحسب وسائل الإعلام البحث عن إمدادات بديلة. وفي ظل التوقعات بأن تتمسك كلّ من بغداد وأنقرة وبكين برفض القرار الأميركي، شنّ وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، هجوماً لاذعاً على القرار الذي عدّه «تجاوزاً للحدود»، وشدّد على أن بلاده «تعارض مثل هذه الخطوات والإملاءات»، وتعتبرها تهديداً لأمن المنطقة واستقرارها.
 
تل أبيب ترحّب
رحّبت إسرائيل على لسان كبار مسؤوليها بالقرار، مشيرة إلى أنه جزء من الاستراتيجية الأمثل والأكثر جدوى لمواجهة إيران ومنعها من استكمال برنامجها النووي، وكذلك منعها من مساعدة وتمويل جهات ومنظمات في المنطقة، تعادي إسرائيل. وقال رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إن لقرار ترامب وإدارته أهمية كبيرة في زيادة الضغط على إيران، و«نحن نؤيد إصرار الولايات المتحدة ضد العدائية الإيرانية، وهذه هي الطريقة الصحيحة لإيقافها». وفي تفصيل الموقف الإسرائيلي، قال وزير الخارجية بالوكالة، إسرائيل كاتس، إن الحظر الكامل على صادرات النفط الإيراني بعد إلغاء الإعفاءات لعدد من الدول التي كانت تبتاع النفط من إيران، يستأهل الإشادة والثناء، إذ إنه «فقط خطوات صارمة من هذا النوع ستجبر نظام آيات الله في إيران على إيقاف تطوير البرنامج النووي الخطير وأيضاً دعم حزب الله وباقي المنظمات في المنطقة»، مشيراً إلى شراكة إسرائيل للولايات المتحدة في خطواتها ضد إيران، وأنها «ستبقى مخلصة لهذه الشراكة في الصراع ضد النظام الإيراني». رئيس الكنيست، يولي ادلشتاين، وصف تعزيز العقوبات الأميركية على إيران بالخطوة الاستراتيجية من ناحية إسرائيل، و«هي خطوة توجب على الدول الغربية التي لا تزال تتعامل اقتصادياً مع إيران أن تسارع إلى قطعها».
 
حلفاء طهران هدفاً للحصار أيضاً
في سياق المحاولات الأميركية المتصاعدة لتشديد الخناق الاقتصادي على كلّ من إيران وسوريا، يعمل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، على إصدار تحذيرات متعاقبة (كان آخرها في 25 آذار الماضي) من المشاركة في عبور شحنات النفط إلى الموانئ السورية، أو تسهيل العمليات المالية أو اللوجستية لتلك العملية. التحذير الذي يخاطب كل الكيانات والأفراد، بما في ذلك شركات الشحن ومالكو السفن ومديروها ومشغلوها وشركات التأمين والمؤسسات المالية، مرفق بلائحة (متجددة) تشمل أسماء السفن التي شاركت منذ العام 2016 في نقل النفط إلى سوريا، مع أرقامها التسلسلية (لدى المنظمة البحرية الدولية) التي لا تتغير بتغيير تسجيلها وعلمها. ويذكر ملحق التقرير التغيرات التي طرأت على أسماء السفن خلال السنوات القليلة الماضية، كما يوضح الوسائل التي يستخدمها مشغلوها لتفادي العقوبات ومنع تتبع مسار الشحنات خلال عمليات النقل.
 
سلامي قائداً للحرس
عيّن المرشد الإيراني علي خامنئي، اللواء حسين سلامي (58 عاماً) قائداً للحرس الثوري، خلفاً للواء محمد علي جعفري (منذ 2007). الخطوة التي أعقبت تصنيف واشنطن للحرس منظمة إرهابية، وضعها خامنئي في إطار «ضرورة التغيير في قيادة الحرس» فضلاً عن رغبة جعفري «في الحضور بالحقل الثقافي» حيث عيّن «مسؤولاً عن مقرّ بقية الله الثقافي والاجتماعي». وسلامي هو القائد السابق للقوات الجوية للحرس ونائب قائده لتسع سنوات.
وفي إسرائيل، انطلقت التعليقات في أعقاب الإعلان عن تعيين سلامي، معبّرة عن عدم يقين بشأن تقدير التبعات وإمكان أن يكون تعبيراً من القيادة الإيرانية عن تغيير في المقاربة الكلية للحرس الثوري، سواء تجاه إسرائيل أو تجاه قوس التهديدات مع الاندفاعة الأميركية لتعزيز العقوبات على إيران وحصارها الاقتصادي.
ولفتت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى مواقف صدرت في السنوات الماضية عن سلامي، تؤكد تشدّده وتطرّفه مقابل إسرائيل، إذ إن «تصريحاته في مجالات مختلفة، مثل سياسة إيران الإقليمية والاتفاق النووي والتعامل مع إسرائيل، تعكس أسلوباً راديكالياً وقتالياً، فسلامي يمثل الخط الأكثر اشتعالاً في القيادة الإيرانية».
وفيما شددت «يديعوت» على إمكان توصيف القرار الإيراني بـ«الثورة في الحرس الثوري على خلفية تطرّف سلامي حيال إسرائيل والولايات المتحدة»، رأت «القناة الـ١٢» العبرية أن «القرار ليس صدفة، وأن هناك صلة مباشرة بين تعيينه وقرار واشنطن إدراج الحرس الثوري الإيراني في لائحة الإرهاب الأميركية».
وتساءلت القناة من دون إجابات عمّا يمكن تقديره من أفعال وردود فعل للحرس الثوري في ظل قيادة سلامي، سواء في إيران نفسها أم في سوريا وغيرها من ساحات المواجهة مع طهران، لتكتفي بالاشارة إلى المواقف التي صدرت على لسان سلامي، ومنها ما قاله في الأشهر الأخيرة من أن «الحرب المقبلة ستكون الحرب الأخيرة، وستؤدي إلى محو إسرائيل من الوجود».