صفقة القرن .. رشاوى الإستسلام لا تصنع السلام

صفقة القرن .. رشاوى الإستسلام لا تصنع السلام

أخبار عربية ودولية

الثلاثاء، ١٠ يوليو ٢٠١٨

صفقة القرن أو تصفية القضية الفلسطينية ..جديد العرب والغرب أم قديمهم؟ هل حقا ً يتاّمرون عليها منذ سبعين عاما ً؟
أم هي تهمة ٌوأوهامٌ إعلامية وخيالية، تعصف برأس مصدقيها ومروجيها ؟ من يستطيع الدفاع عنها وإثبات برائتها، لنكّذب الكاذب ونضع اللوم على المسيء، ونقول للجميع أنتم مخطئون فقد تبين وبالدليل القاطع براءة الولايات المتحدة الأمريكية و”ملائكتها” الإسرائيليون ، ووداعة الحكام والعروش العربية من “محبي” فلسطين .

يبدو أن العمالة والخيانة التي اختبأت في حالة الإنقسام العربي المخجلة، قد وجدت ضالتها لتبرير نفسها في معادلة ” مع أو ضد مقاومة المشروع الصهيو- أمريكي في منطقة الشرق الأوسط”، وأطلقت من على مذبح الصهيونية وعودها وإنبطاحها وخدماتها وحقدها وتاّمرها على سوريا والعراق وليبيا واليمن وفلسطين …إلخ، وتذرعت بالفتن المذهبية والطائفية وحروب الإرهاب لحماية الله والدفاع عنه وإفتتاح العصر الصهيوني بإسمه، لقد أهدى العرب صفحاتٍ كاملة من بطاقاتهم العائلية كي تسجل فيها واشنطن أسماء لقطاء إرهابييها في “داعش والنصرة والجيش الحر واّلاف أسماء اللقطاء المحليين والمستوردين من أصقاع الأرض” على أنهم أبناء العرب والمنطقة والإسلام، وأخفوا حقيقة الإنقسام والعداء “لإسرائيل” ومن هو معها ومن هو ضدها، وضرورة إنهاء الصراع والتطبيع الكامل والمجاني معها، فأسقطوا من قواميسهم علنا ً ما أخفوه لعقود برروا فيها وجودهم كعائلات مالكة وحاكمة، وأسقطوا معها إستعادة الحقوق العربية وحماية المقدسات وحق عودة الفلسطينيين و…. إلخ, وهذا بإختصار ملخص وجوهر ما أُطلق عليه “صفقة القرن”.

يبدو أن عرب – الصفقة مهتمون بالسلام الإقتصادي كبديل وكتعويض عن السلام السياسي، وعليه بنوا جوهر موقفهم من صفقة القرن، ولم تعد تعنيهم الحقوق السياسية الفلسطينية والعربية، فيما بدأ احد فلاسفة العرب ومنظر “ثورات” الخراب العربي يروج لتسميةٍ أقل حدة ً ووضوحا، ورأى أن تسميتها بالصفقة “مضللة”، وأنها لا تعدو أكثر من “وجهة نظر إسرائيلية قديمة” تحاول إسرائيل إملائها على العرب!.

هذه النظرة وهذا السلام المزعوم عبر الحل الإقتصادي والذي تحدث عنه صهر الرئيس الأمريكي وكبير مستشاريه كوشنر في لقاءاته المتكررة مع أعضاء بارزين في السلطة الفلسطينية كالرئيس محمود عباس وصائب عريقات وغيرهم، بدا كمن يتحدث عن الفلسطينيين كمرتشين..! واختزل قضيتهم بمساعدات مالية وقليل من الرفاهية، الأمر الذي لا يبدو معيبا ً للصبي التلمودي بقدر ما هو معيبٌ بحق ساسةٍ وقادة ومسؤولين فلسطينيين يسمعون تهديد كوشنر لرئيس السلطة بفضح ونشر بنود الصفقة ولا ينبسون ببنت شفة ؟..
لقد أمعن كبير مستشاري ترامب في إهانة السلطة والشعب الفلسطيني، كما هو واضح في حديثه لصحيفة “القدس” وما تحدثت عنه صحيفة “إنتليجانس أون لاين” الفرنسية، و دوره في تنظيم لقاء جمع قادة استخبارات “اسرائيل” والسعودية ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية في العقبة للتأثير على موقف السلطة حيال “صفقة القرن”.
فقد أتى كلام كوشنر بحق الشعب الفلسطيني، قاسٍ ومهين ولا يخلو من الإستخفاف والسخرية، وتأكيده بأن “الرشاوى” الإقتصادية، قادرة على جعل الفلسطينين يتنازلون عن حقوقهم الوطنية والتاريخية مقابل تحسين أوضاعهم الاقتصادية، لهو دليلٌ قاطع على أنه حصل على وعود البعض في هذا الشأن، بدليل عدم تكذيبه حتى الاّن …
و بدا مقتنعا ً بأن معالجة الأوضاع المتدهورة في قطاع غزة ستكون بوابة ً لمرور الصفقة، وعليه كان محور جولته الخليجية في الإسبوع الماضي للتركيز على إقامة مشاريع البنى التحتية في شمال سيناء، ما يعزز الشكوك حيال ما يُخطط له بإنشاء “غزة الكبرى” عبر ضم جزء واسع من أراضي شمال سيناء إليها من خلال ما دُعي بتبادل الأراضي، بهدف إعلانها أرض الدولة الفلسطينية النهائية، الأمر الذي يثير الشكوك حول موافقة الرئيس المصري على هذا !، في وقتٍ تحدثت فيه صحفٌ إسرائيليلة عن موافقة أربع دولٍ عربية على الصفقة بما فيها مصر.. وعليه، يتمنى الشارع العربي سماع ما يثبت عكس هذا الكلام من القيادة المصرية.

ومن خلال دوامة الحلول الإقتصادية والدخول في تفاصيلها قد يجد الأردن فرصة ً وإغراءا ً للموافقة على الصفقة، كالحديث عن مشروع تغذية غور الأردن بالمياه العذبة ومحطات تحليتها التي ستقام في العقبة، فيما تجد مصر ضغوطا ً وتهديدا ً لإقتصادها وأمنها القومي عبر مشروع خط السكة الحديدية الذي سيصل السعودية بإسرائيل وبأوروبا، على حساب قناة السويس، ما قد يشكل إحراجا ً للرئيس السيسي الذي قال يوما ً إن :”مصر و السعودية يشكلان جناحي الأمن القومي العربي”!.

إن الحديث عن صفقة القرن بحسب الذهنية الأمريكية ورشاوى كوشنر، ومبدأ المال وتحسين الإقتصاد مقابل السلام، هو حديثٌ عن الإستسلام دون شك أو مواربة، ويبدو كلاما ً قاصرا ً ورؤية ً فاشلة، فالطريق الأمريكي يقود إلى جهنم مهما زُين بالجحارة الجميلة، وعلى كوشنر ألاّ يراهن على عرب – الصفقة، فالمشروع الأمريكي هُزم في سوريا والمنطقة. وعليه، لا بد لكوشنر من إعادة تقييم وتقدير قوة محور المقاومة والمقاومون والشرفاء اللذين لا تعنيهم كنوز الدنيا، ولا تبهرهم مشاريع ترامب الإقتصادية، وتبقى القدس وفلسطين بالنسبة إليهم قدس الأقداس وأرض الأجداد المباركة، فمن دون السلام العادل والشامل وإستعادة كامل الحقوق لن يكون هناك صفقة ٌ أو سلامٌ أو تطبيع، شاء من شاء و أبى من أبى.