دمشق    20 / 09 / 2018
محللون: اتفاق إدلب مرتبط بمصير «الجهاديين».. وقد ينهار  تحرير إدلب بدأ الآن.. بقلم:أحمد فؤاد  بومبيو: مستعدون لبدء المباحثات مع كوريا الشمالية بشأن تغيير العلاقات الثنائية  تقرير خطير.. صراع أفظع من الصراع السوري سيندلع في “المتوسط”!  سقوط للطائرة الروسية أم سقوط للمشروع الصهيوني في سورية؟  المقترضون المتعثرون يعودون لإجراء تسويات أو سداد ديون للمصارف الخاصة  مسلحو «لواء القريتين» سجلوا أسماءهم للخروج باتجاه الشمال … الجيش يواصل دك الدواعش في البادية.. و«التنف» على طريق التفكيك  شعبان: الحرب على سورية دحضت إدعاء الإعلام الغربي الموضوعية والحياد  كم هو دنيء البدء بحرب عالمية ثالثة لدعم الإرهابيين في إدلب!  الجنسية التركية باتت أقلّ ثمناً  السيد نصر الله: هذا عام الانتهاء من داعش عسكرياً.. وسورية تتجه الى هدوء كبير  ثلاثة جرحى في انفجار وسط كركوك شمالي العراق  أردوغان: تركيا لا تعاني أزمة اقتصادية كما يشاع  صواريخ مضادة للطيران تقتل مئات الأبرياء  بومبيو: الصين في المستقبل البعيد أكثر خطرا علينا من روسيا  تسريب رسالة وصلت من قطر إلى الكيان الإسرائيلي: مرحبا بكم في الدوحة  الحكم بالمؤبد على ابن قتل والده المتزوج من سبع زوجات … الأيوبي: يجب ألا يؤدي الزواج المتعدد إلى خراب وتفكك الأسرة  الرقصة الأخيرة للبطة العرجاء.. بقلم: نبيه البرجي  تبديل محاور الهجوم في الحديدة: تكتيك لا يمنح الإمارات انتصاراً  إصابة خمسة أشخاص إثر تصادم حافلة ركاب بشاحنة صغيرة في أقصى شرق روسيا  

الأزمنة

2015-11-21 04:34:52  |  الأرشيف

معادلة الإنسان والخبز منذ معرفة القمح

زهير جبور
صديق قديم شق طريقه في الحياة، وتمكن من جمع ثروة لا بأس بها، بعد أن عاد من إسبانيا مرغماً بسبب مد يده على خبزة من أحد الأفران وألقي القبض عليه من قبل الشرطة هناك بتهمة اللصوصية، وكان طالباً في السنة الثانية كلية الطب، وحكم القضاء عليه بالترحيل الفوري، والموضوع أن عمه الذي وعده بإرسال نفقات إقامته إلى حين تخرجه، أخلّ بالوعد، ليواجه الشاب جوعاً مدة ثلاثة أيام، فوجد الخبزة طازجة، متطاولة شهية، والجوع كافر، يفقد الإنسان توازنه، يشل تفكيره، ويقض على إرادته ويعميه، وحكاية الإنسان مع الخبز معروفة وهي ترمز إلى الإنسانية بأوجهها المختلفة، خسر الرجل مستقبله الطبي، وكان للحادثة أثر مباشر عليه ما دفعه للتعويض والعمل والنجاح، واعتاد من بعدها توزيع الخبز على الفقراء، والسخاء به، وعلمته الحياة أن الخطيئة قد تكون درساً وهي أن لم تقتل فينبغي الاتعاظ بحكمتها، وما من خطيئة إلا ومن ورائها حكمة والعارف هو من يستفيد منها، منذ بداية الأزمة السورية المؤسفة أعلنت الحكومة في تصريحات تكررت للمسؤولين أن مادة الخبز مصانة، وستزج كل إمكانياتها لتوفرها وبالأسعار المتناسبة مع دخل الفقراء وهي الركيزة الأساس في طعامهم، وهذه مسألة اعتيادية والخبز العنصر الرئيس في الوجبة ومن دونه يفقد الطعام أي نكهة، استسهلت إجراءات حصانة الخبز، وارتفعت أسعاره أكثر من مرة، وضربت الحكومة بوعدها عرض الحائط، هي ظروف الأزمة وعلى أكلة الخبز تقدير الوضع، وتدبير الحال، وكنا قديماً في زمن الرخاء ممن يهدرونه وهذا عيب فينا، وكتبنا عن ذلك كثيراً، وثمة حملات توعية للتراجع عن العادة السيئة، في البرغل والأرز والطبخ بشكل عام، وكانت كميات كبيرة توجد بالقمامة، والرخاء على مداه، والمرتب الشهري يكفي، ومع الأزمة ودخولها إلى مفاصل العيش وغلاء الأسعار المجنون، بدأ الإحساس بخطورة فقدان الخبز يكبر، وأصبح القلق كل شيء إلا هو، وثمة تطمينات أن الطحين متوافر، ولا خوف على مستودعاتنا، والكمية تكفينا لسنوات، حسب تصريحات إعلامية سابقة، وتم التقيد بعدم الهدر، والتخلص من العادة العيب وفكر النسوة بمطبخهن في تحضير الكمية التي تسد الحاجة ولا يبقى منها شيئاً، وصار التعامل مع الكهرباء المقطوعة باستمرار يشل عمل الثلاجات ويلغي دورها، وعليه فالظروف المنهكة فرضت جبروتها، وصديقنا خسر الطب من أجل خبزة واحدة، وتعلم درساً منذ ذلك الحين أن لا يهدر به، وكثيراً ما سمعنا عن ثروة طائلة كان مالكها يبيع الخبز اليابس، إنه الذهب لا يشد لمعانه إلا وقت الحاجة إليه.
•    الإنتاج حالياً
كثرت في اللاذقية منذ بداية العام الماضي أفران المعجنات و(البيتيفور) و(الكروسان) والصمون، وأدخل علينا الإخوة الوافدون من حلب أنواعاً لم نكن نعرفها، ومع الغلاء الذي التهم المواد بأسعارها الكاوية، وصل سعر كيلو الصمون إلى300 ل.س وهو بمعدل خمس صمونات يأكلها شخص في حال فتحت شهيته، لذلك وضحت السيدة أنها تشتري واحدة فقط من أجل سندويشة ابنتها التي ترافقها إلى المدرسة، وعبر أحدهم أنه لم يذق طعمه من سنوات، وأجاب آخر خلينا نؤمن الخبز العادي أولاً، وهكذا فقد سمعنا آراء كثيرة تصب بكاملها في المعاني إياها.
أما ما ينتج من الخبز فهو بحاجة لإعادة النظر ومراقبته، خاصة في أفران القطاع العام، حيث الرغيف الذي يخرج (معجناً) بأطرافه تطغى عليه نسبة النخالة، قابليته لليباس سريعة، ولا يمكن الاحتفاظ به، فبعد ساعات سيحتاج إلى إعادة التأهيل، والتسخين على الغاز، ولا يصلح لأن يكون (للسندويش) مع ملاحظة أن هذه الأفران سابقاً كانت معروفة بجودة ما تقدم، حريصة على المواصفات، ويظهر أن إمكانياتها المهنية لم تعد تستوعب الكثافة السكانية التي تضاعفت، وعلمنا أن السيد محافظ اللاذقية يقوم بجولات على الأفران ويراقب نوعية الخبز، وقيل من قبل المواطنين إن الإدارة الفرنية تحسن العجنة في حال توقعها أو إعلامها المسبق بذلك، فيظهر الرغيف أثناء حضوره عكس ما يقدم في الأيام العادية، وهذا الأمر يدفعنا للسؤال لماذا الشكوى إذا كان الرغيف مكتمل الأوصاف، الرأي نقله إلينا الكثيرون أثناء جولتنا على أفران الصليبة. دمسرخو. منهم من اكتفى بالقول (عم ندبر حالنا المهم أن يتوافر) مع ملاحظة أن الانتظار يطول، ويتراكض الأطفال إلى تقديمه تسهيلاً بسعر يحددونه هم أما في الأفران الخاصة فيختلف السعر حسب جودة المنتج، ولا بد من التلاعب وتجاوز السعر الرسمي المحدد، والحماية التي تميز فرناً عن آخر لا تشمل المواطن، والأسباب ليست بحاجة للشرح، يقوم السيد إبراهيم خضر السالم محافظ اللاذقية بجولات ميدانية ويوجه بحزم على ضرورة التقيد بالمواصفات والتسعيرة، ويتلقى أجوبة من المعنيين تؤكد الالتزام، ولكن هل يتمكن من المتابعة المستمرة وثمة ضمائر فقدت صلاحية استعمالها، ولم يعد لها أثر، وهنا المشكلة التي تعاني منها اللاذقية منذ عشرين سنة، وجاءت الأحداث لتقضي على ما كان يمكن إصلاحه.
السيد المحافظ يعمل ويجتهد، ويجد في الاستئصال، وحسب الذين عرفوه في سلوكه المهني أنه لا يقبل الخطأ ويساند الفقراء ويرفض استغلالهم، ولم ينسلخ عن بيئة قروية ترعرع وكبر فيها محباً للوطن ولأبناء الوطن الشرفاء المخلصين، ويعمل بهذه الأخلاق كما بينت أشهر تواجده في اللاذقية.
•    بائعة الخبز
يداهم الأطفال من سن 7 إلى 15 سنة العربات المتباطئة في سيرها، يعرضون الخبز على ركابها، ينتشرون على الأرصفة ذات الكثافة المرورية، يبيعونها للمستعجلين والذين لا يقفون في طابور الدور الممل على كوة الفرن، ظاهرة منتشرة في معظم الشوارع، وبين محاولة طمسها أو استمرارها ثمة أبعاد يمكن شملها تحت بند الإنسانية، ضرورتها لمساعدة المحتاجين الذين يدفعون أولادهم وهم في سن المدرسة إلى العمل وهؤلاء كثر جداً، وتحتاج الظاهرة دراسة دقيقة وأسبابها الأزمة اللعينة، من بين هؤلاء وجدتها طفلة بثوب نظيف، واضعة ربطات خبزها على زاوية شارع بورسعيد في حي الصليبة، دفعني وقوفها وعلى وجهها علائم الخجل لأحدثها، اسمها مايا في الصف السادس، اكتشفت بسرعة لطافتها ورقة إحساسها، فقالت: والدي مريض قلب، وظهرت في رأسه كتلة، كان يعمل سائقاً لتكسي عامة، أخوها عمر الأكبر منها بترت آلة مصنع المعكرونة ساعده، لم يتقاض أي تعويض، ومالك المعمل فرّ من البلاد، وهي الآن تخرج من المدرسة لتلتحق إلى جانب أخيها تساعده من أجل تأمين قوت الأسرة وعلاج والدها، هكذا تحدثت مايا بنباهة ملحوظة، وفي عينيها يبدو الحزن، وغصة فقر حرمتها طفولة سليمة، مددت لمايا المبلغ... سألتني كم ربطة تريد؟ قلت لا أريد شيئاً هذا لك، ردت أنا لا آخذ نقوداً من أحد إلا ثمن الخبز، بكبرياء طفولة مجروحة تدرك بعفوية أن موقعها ليس هنا، وفي سري المندهش بحثت متأملاً عن دور لمجتمع مدني يفتش عن مثل هذه المآسي، وعن جمعيات متبجحة إعلامياً، ولا تعكس منفعة مؤسسات حكومية للشؤون الاجتماعية، وعن مسؤولين يتواصلون مع الشعب بالأحياء والأزقة يتحدثون إليهم ويستمعون إلى مصائبهم بعيداً عن المكاتب والرسميات، وعن مخاتير لا عمل لها إلا طبع الختم على ورقة مقابل خمسمئة ليرة سورية لكل توقيع، واحتكار اسطوانات الغاز أثناء فقدانها، وصناديق مساعدات تظهر في سوق الجمعة وسواه إلى جانب بضائع أخرى منهوبة مجهولة المصدر.
بائعة الخبز هذه جعلتني أسترجع ما طرحه الأدب العالمي في تعبير يربط الإنسان بالقهر، وقد صورته السينما عبر نصوص كثيرة وعرضتها كحالة إنسانية وهي الآن ليست على شاشة بل في مسرح حي يمكن رؤيته لكل راغب بمن فيهم من يريد تقديم المساعدة والتأكد من الحقيقة.
 الخبز والإنسان معادلة العيش منذ أن عرف العجين والقمح والنار والطهي، منذ أن أطلقت بعفوية تامة جملة (لقمتنا مغمسة بالدم) من هم أولئك الذين يغمس الدم لقمتهم وخبزهم وحياتهم... إنها الأزمة الفاجرة. الدنيئة. المنحطة. التي جعلتنا نرى ما لم نكن نتوقع رؤيته، وكسرت أنفسنا لكنها لم تنل من كرامتنا مهما بلغت وحشيتها.
 
عدد القراءات : 6886

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
 
alazmenah.com - All rights reserved 2018
Powered by SyrianMonster - Web services Provider